الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٩١

الإباضية

الظهر، فاختلفوا في وجوب الوضوء، فتيمم ابن زرقون، وتوضاً أحد الشيخين الورعين، فأصيب من شدة البرد، فقال ابن زرقون لصاحبه: لم تجز لنفسك أن تتيمم لصلاة واحدة، فتيمم الآن لصلوات عدة. إن فهم روح الشريعة والمقاصد السامية من تكاليفها هي حقيقة الورع، وإن الجمود على ظواهر النصوص قد يؤدي إلى عكس المطلوب. فقد فر صاحب ابن زرقون من تيمم واحد، ولكنه اضطر - لقصور فهمه حكمة الطهارة في الإسلام - إلى التيمم لعدد من الصلوات. كان ابن زرقون في صغره ذكيا ظريقاً، نجيباً، وكثيراً ما كان أستاذه " ابن الجمع " يمازحه بتوريات عامضة، فينتبه لها الطالب ويجيب على البديهة. قال له يوما إنك ولد في الطين

الذكـ

يوهمه

أنه يصفه بالفطنة، فقال الطالب النجيب: إنه غير منزلق، ليبرهن لأستاذه أنه فهم التورية.

وقام يوما من الأيام بعمل يستحق عليه الشكر، فقال له الشيخ الزيت خير، يوهمه أنه قال له جزيت خيرا، ولكن الطالب النجيب فهم أيضا هذه الدعابة من البديهة: يصلح للخبز. وهكذا كان الفتى الظريف مع ا

أستاذه وقال ا له على أستاذه

الكبير، يتلقى عنه العلم، ويتلقف منه الدعابة، ويقتبس منه الهداية والرشد.

11

أبو عمرو

ميمون بن محمد الشَّرُوسِي

11

27

عالم اشتهر بكفاح الرذيلة حتى بلغت أخباره أقاصي البلاد. سمع يوما إن جماعة يشربون الخمر " بالفحص " وبين هذا المكان " وشروس " مركز حكمه وإقامته ما لايقل عن ستة أميال. فذهب إليهم، وأراق، شرابهم، وكسر، آنيتهم، وأقام الحد على من

يستحقه منهم.

جمع إلى الورع الشديد، العلم الغزير، وإلى رقة القلب، قوة الإرادة ومتانة الدين، ولهذه الصفات وغيرها من الصفات التي حلى بها المؤمنون المخلصون وثق فيه الناس فولوه أمرهم، كان شديد الخوف من حقوق الناس، فكان يرتعد كما ترتعد السعفة في مهب الريح إذا وضعت بين يديه قضية للحكم، وكانت دموعه تنحدر دون أن يملك حبسها، إذا قال له الخصم أعطني حقي، خوفاً أن يكون مال عن الحق، ولم يعرف الصواب، وحبك

دينا وعدلا لرجل يلى الحكم، أن تكون هذه أخلاقه وسيرته.

أخذ جانياً فحبسه في بيته موثقاً ليستشير في أمره بعض المشائخ وينزلوا به العقاب الذي يقرره قانون الله. وفي الليل قام أبو عمرو إلى الصلاة، فوجد الجاني فرصة للإفلات، ففك قيوده

177

176