الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٩٢-
الإباضية
ثم هجم على أبي عمرو بسكين كانت في يده وجرحه، ولكن أبا عمرو – وكان شجاعا وقوياً وشديداً في أمر الله - رجع إلى الجاني وقبض عليه من جديد ونزع منه الموسى، ثم أوثقه وعاد إلى صلاته، ولم يرد أن ينزل به أية عقوبة حتى حضر المشائخ، خوفا يؤثر عليه الغضب، أو أن يكون قد انتصر لنفسه. وحضر المشائخ ورأوا فيه رأيهم الذي لا يتجاوز الحق والعدل.
ذهب إلى جادو لبعض الشؤون، وعندما كان في الطريق وهو راجع إلى شروس، سمع إن جيشاً عظيما يريد الغارة على الجبل، فتوقف في الطريق يفكر في الأمر، إنه لم يستعد للحرب والقتال، وهو بعيد عن مركز حكمه، فما العمل؟ وبات ليلة وهو يفكر: هل يبدأ بالدعوة إلى الدفاع من مكانه، أم يرجع إلى مركز حكمه أولا، ثم يجهز الجيش وبعد العدة، ولكن قد يقع الهجوم قبل أن يصل هو إلى مركز الحكم وإعداد ما يلزم للدفاع ليلة مؤرقة في عار تؤكيت (تمزده) اليوم، وهو يقلب الرأي. وعلم الجند أن أخبارهم سبقتهم إلى حاكم الجبل أبي عمرو وأن الرجل موجود في وسط الجبل ومعمعة العمران، وأنه لا يلبث أن يلاقيهم بجموع يحرصون على الموت في سبيل الدفاع عن حرماتهم، كما يحرصون هم على الحياة. فلم يجدوا خيراً من أن يؤخروا هذه الغارة إلى فرصة أخرى، وبكروا بالرحيل.
كان أبو عمرو إلى هذا الحزم وهذا العزم، وهذه القوة، مثلا للتواضع واللين بين المؤمنين … كان يسير ذات يوم ومعه ولد له صغير فالتقى بأبي سليمان التندميرتي، فنزل عن فرسه إجلالا
لأبي سليمان وتعظيما، وعجب الولد الصغير من سلوك أبيه، فلم يعلم في الجبل رجلا أعظم من الحاكم مقاماً، ولذلك سأل أباه قائلا: من هذا الرجل الذي تنزل له عن فرسك يا أبي؟ .. فقال الأب: أولا تعرفه؟ إنه أبو سليمان، الرجل الذي أنزل الحمل الثقيل عن ظهره وحملته أنا … هكذا كانوا يرون الإمارة .. إنها حمل ثقيل يفرح المؤمن عندما يتخلص منها، ولا يتقبلها
ربي
إلا وهو مضطر. وقد بذل أبو عمرو مجهوداً جباراً ليلقي عن ظهره هذا الحمل الثقيل، حتى تخلص منه في يوم من الأيام. وجاء بعض المشائخ يلومونه على ذلك، فقال لهم: إنني أرغب أن أخلص إلى عبادة قبل الموت، ولو لمدة قصيرة، وإنني أريد أن لا يشتغل فكري بغير عملي في آخر حياتي .. قلت في صدر هذا الحديث إن أبا عمرو قد اشتهر في جميع البلدان بسيرته الحميدة، وخلقه الفاضل، ودينه الكامل. جاء من السودان جماعة من التكرور يحملون بضاعة وافرة للتجارة، ولما يسمعون عنه من علم وعدل، طلبوا مقابلته، فلم يضن عليهم بها، واجتمع بهم: " فملأ أعينهم وافئدتهم علماً وأدباً وحياء " فجمعوا له أربعمائة دينار، وقدموها إليه من أصدقاء فامتنع عن أخذها، وترك لهم أموالهم، وفتح أمامهم الأسواق، ودعا الناس إلى التعامل معهم.
معجبين
إنه مثل سام من أمثلة النزاهة والشرف والفضيلة، لايجده الباحث كثيراً في كتب التاريخ تاريخ الأمراء الظلمة الذين يزهقون الأرواح، وينتهكون الحرمات للحصول عليمبلغ قد يكون
179
178