الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٩٦

أبو زكريا

يحيى بن سفيان اللآلوتي 34

نشأ في " لالوت " هذه المدينة التي كانت مقراً للعلم، ومثابة للعلماء، وحسبه تعريفاً شهادة العلامة أبي العباس حيث يقول: " وكان حاكما عادلا وعالماً فاضلا ". وقد ذاع صيته، واشتهر بعلمه ودينه وعدله حتى عرفه الناس بذلك واعترفوا له، فكان يقدمه في الصلاة حتى المخالفون له في المذهب. وكان في مرتبة من التواضع واللين لايصل إليهما إلا الندرة القليلة من عباد الله

المؤمنين.

كان حاكماً، ولكنه لم يكن من الطراز الذي يعرفه الناس هذه الأيام، إن الحكم عند أبي زكرياء وأضرابه يعنى التضحية بالوقت والجهد والمال، دون أخذ شئ، إنه أداء واجب لا شكر عليه. ولا مقابل له إلا ما عند الله، ولذلك فإن الحكم على أولئك الذي يلون أمراً من أمور الأمة فيتخذون ذلك وسيلة إلى ابتزاز أموال الأمة والانتفاع بجهود أفرادها. إن هؤلاء قد خانوا الله، وخانوا الناس في أمانتهم.

كان أبو زكرياء يعمل كأي فرد من الناس، لايرى لنفسه حقاً عليهم، فكان يقوم بزراعته كما يقوم بها أي شخص آخر، وذات

يوم حصد الزرع، واحتاج إلى جمل يحمل عليه ما جمع من زرع. وكان له جار قد هيأ جمله ليحمل عليه زرع نفسه، فلما سمع بحاجة الشيخ أراد أن يؤثره على نفس ه، وذهب إليه بجمله فانتهره الشيخ، ولم يقبل منه هذا الإيثار الذي طاب به الجار الكريم نفساً، وخشي العالم الحاكم أن يكون الجار أقدم على ذلك بدافع الخوف، أو بدافع الحياء، فلم يرد أن يتقبل مساعدة الناس على أحد الدافعين. وتقلب الزمن، وتغير وجه التاريخ، وتوفى الشيخ، فجاء ولده إلى نفس المكان، وحصد زرعه واحتاج إلى جمل يحمل عليه، فذهب إلى جاره، وكان هو نفس الجار الذي انتهره الشيخ لما آثره على نفسه، وكان الرجل قد أعد زرعه وأعد الجمل ليحمل عليه، فطلب ابن الشيخ منه الجمل ليحمل عليه، فاستمهله الجار الطيب حتى يوصل حمله ثم يرجع إليه الجمل. فغضب الشاب، لأن الرجل لم يؤثره على نفسه. فقال العامل السائح الطيب: " إن ذا لمن العجب!. الشيخ يغضب إذا آثرناه على أنفسنا، وابنه يهددنا إذا لم نؤثره. " 55

إن الفارق بين الأب والابن فارق عظيم فلقد كان الأب من أولئك الأبطال الذين ينتصرون على أنفسهم قبل أن يلتحموا بالمعارك الحامية بعيداً عن أنفسهم، والمؤمن إذا انتصر على الشيطان في معركة النفس، سهل عليه أن ينتصر في كل ميدان، ولكنه إذا انهزم في المعركة الأولى فإنه لن ينتصر في بقية المعارك مهما بذل من جهد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ جهاد

187

186