الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٩٧الإباضية
النفس). لقد وثق المشائخ بأبي زكرياء فولوه شؤون الأمة، وكان إلى قيامه بهذا العبء الثقيل. لا يرزأ الأمة في شئ من مالها. وإنما كان يمون نفسه وأسرته بعمل يديه، كما يقوم بذلك أي فلاح
ه
عادي، ولم يشغله هذا العبء الثقيل عن مشاكل الناس، ولا هذا الكفاح الطويل في إعانة الأسرة، لم يشغله كل ذلك عن ممارسة أحب عمل إليه، وإليكل عالم يتجه بعلمه إلى الله ويقدم جهوده للأمة خالصة. ذلك العمل الحبيب إلى كل عالم يقدس المعرفة، والتعليم، ونشر الثقافة، وتربية الأجيال ولقد خصص أبو زكرياء زمنا من وقته الثمين للتعليم، وهداية الناس، وإرشاد أبناء الأمة، وكان الطلبة يتسابقون إلى الارتشاف من هذا المنهل العذب، ويتزاحمون عليه تزاحم العطاش على الصافي النمير ولقد كانت له دروس لا تقتصر على صغار الطلبة والمبتدئين بل يحضرها كثير من العلماء الأجلاء. فإن مجالس العامرة بالموعظة الحسنة والدعوة إلى سبيل الله، لخليقة أن يحضرها كل من تهفو نفسه إلى المزيد من الاطلاع على أسرار الشريعة السمحة، وكان في أحد هذه الدروس التي يتخذها لشرح وجهات النظر المختلفة، ويكشف فيها وجوه الرأي وآراء المجتهدين، ويعقب بذلك عليتلك الآراء، ويرجح منها ما يوافق التيسير على الناس، وكان أبو الربيع حاضرا هذا المجلس، فغضب من هذا الترخيص للشيخ، وترجيحه ما يقوم على اليسر والخفة من آراء العلماء وأقوالهم: فقام وهو يقول: لا أحضر مجلسا يفتي فيه بمثل هذا .. فأجابه العالم الأستاذ الذي يعرف من أسرار الشريعة ومن طبائع الناس، ودخائل نفوسهم، ما لا يعرفه كثير من أصحاب
العلم، ويفهم من طبيعة الحياة ومن دواعى العمل، وما يناسب
ذلك في مختلف الأزمنة والأمكنة ما لا يفهمه الكثير، أجابه يقول: إن لم ترد فقم … وقام أبو الربيع الغاضب وفارق مجلس الشيخ على هذه الحال، ولكنه ما توارى من الباب حتى قال الشيخ لطلابه ردوه إن لم يفهم هو فلا يفهم غيره … وتواثب الطلاب في خفة ليدعوه فلاقوه راجعاً فقد فكر واقتنع بوجاهة رأي الشيخ، وبعد نظره، ومعرفته بأحكام الدين والأصول التي تبني عليها الفتوى، وعرف أن العالم الذي يفتى للناس، يقوم بعمل يشبه عمل الطبيب، فقد يفتى لرجل بفتوى لا يفتي بها لشخص آخر في سؤال مشابه، كما يناول الطبيب شخصا ما دواء لا يعطيه لمريض ثان له أعراض ذلك المرض. وقد رأى كثير من حذاق العلماء، أن الغني الذي يوفر لديه المال. وتجب عليه كفارة لايفتى له بالإطعام، وإنما يفتي له بالصوم. وأبو زكرياء من أخلص الناس إيماناً وأشدهم ورعاً، وأغزرهم علما، فهو حين يقدم على عمل، أو يصرح بقول يكون قد فكر قبل ذلك، فأخلص العمل لربه، واستبرأ لدينه وعرضه. وخلاصة القول: أنه أحد أولئك الأبطال الذين انتصروا عليالشيطان في أنفس وقدموا أعمالهم لله خالصة. وقادوا أمتهم إلى الخير، دون أن يرزؤها في مال أو دم، وقد كان مثلا للمسلم القانع الراضي بما قسم الله له، والعارف بحقيقة الدنيا
وزخرفها.
هم
زاره المشائخ يوماً فأكثر لهم اللحم، وكان الطعام قليلا.
189
188