الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٩٨الإباضية
فاعتذر لهم بضيق الحال وزاروه مرة أخرى فأكثر لهم الطعام وقدم لهم زيتا، ولم يقدم لهم لحما، ولم يعتذر فقيل له في ذلك؟ فقال: لا تقصير مع الطعام والزيت.
إنه رجل لا يعرف المظاهر الجوفاء، وإنما يعرف الحقائق التي تنبني عليها الحياة، وحقيقة الغذاء الذي تقوم عليه الحياة في الجبل إنما هو الطعام والزيت، وليس اللحم مادة ضرورية في ذلك
الحين.
ولعل في قصة أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها وزوجة معاوية بن أبي سفيان عبرة وموعظة لهؤلاء الذين يسرفون في اتباع الشهوات فقد قيل: إنه قدم لأم المؤمنين عائشة عشاؤها الذي يتكون من خبز وزيت وكانت زوج معاوية حاضرة، فدعتها أن تشاركها هذا الطعام، لكن الزوجة التى ربيت في بيت معاوية. وبين موائد الشام، اعتذرت لأم المؤمنين، وأخبرتها أنها تعودت أن تأكل أرق من هذا وأشهي فرفعت إليها أم المؤمنين عينين وأخبرتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولم يشبع من الخبز والزيت، ولو أراد رسول الله لكانت له موائد أحفل مما يقدم لكسرى وقيصر .... وصدق الذي أوصى فقال: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان.
متعجبتين
درس أبو زكريا على العالمين الكبيرين: أبي محمد خصيب التَّمَصْمِصِي، وأبي عبدالله محمد بن جلداسن.
أبو عبدالله
محمد بن جلداسن اللالوتي 36
نشأ في " لا لوت " بلد الأشياخ والعلم كما قال أبو العباس، وقد تحدث عنه وقال فيه: " وكان بحر العلم الزاخر، وإمام الحكام الفاخر، قيل له: في بعض أحكامك ضعف، قال: اقعدوا على طريق الحطابة، فإن رأيتم معهم عوداً يابساً فصدقتم أنني ضيعت شيئا من الحق ". وتكفي هذه الشهادة للدلالة على علم الرجل، وعلى عدله وعلى قوة إرادته وصلابته في الحق إنه يحكم ويعدل، وحين يتهم بالضعف في أحكامه يتحدى - في ثقة الرجل الذي يزن قوته. ويعرف سطوح حجته أولئك الذين يتهمونه بضعف الأحكام، أن يظهروا له هذا الضعف الذي انتقدوه عليه في نتائج الأحكام. وما يعقبها من آثار، ويصمت المعارضون لأنهم لا يجدون ما يردونه به على هذا التحدى، فهذه نعم | الله تسبغ عليهم ظاهرة وباطنة، وهذه الخيرات مبثوثة على الطبيعة، وهذا الأمن منتشر، والسلام يسود الربوع، والناس مشتغلون بأعمالهم، راضون عن حياتهم، وحقوقهم مكفولة، لايضيع منها حق، ولا يطغى قوي
191
على ضعيف.
190