ديوان الباروني
الجزء ١ · صفحة ١١٩فلو كنت في عهد النواسي لاشترى على العلم منه كل حرف بدينار (1) أمير المعاني والمعاني أوانس إذا أسفرت أغنت عن القمر الساري
(2)
طلعت لنا في الشرق من مطلع الهدى فيا حسن أشعار ويا طيب أخبار
أحمد
(1) لله دره ما أشد احتراسه وحذره من الغلو السهل عند غالب الشعراء، ولو قصده لقال: (بقنطار) ولا أرى إلا أنها أسبق إلى ذهنه لكثرة استعمالها في الموازين الآن، بخلاف الدينار، على أنني قد أقسمت عليه أن لا يذهب في التقريظ مذهب المحاباة أو جبر الخاطر، حتى لا ينعكس الحال؛ إذ من المعلوم أن مدح الشيء بما ليس فيه ذم، وقد أدركني الشك عند سرد الأبيات الأولى، ولما وقفت على هذا البيت تحققت أنه ما قال إلا ما اعتقد أو قريباً منه، ولو شاء مجاوزة الحد لما صعب عليه أن يقول مثلاً: (فلو كان في عهد الخليل بن لقوم أس الخط منه بقنطار) إذ لا شك أن أس الخط هو النقطة، فعلى قوله تكون مثلاً قيمة الكاف كلها ديناراً واحداً، أما على هذا القول، فتكون على الأقل خمسين قنطاراً؛ لأنها مركبة من أربعة خطوط هكذا (كـ) وكل خط مركب من نقط كثيرة، وهكذا الهاء والطاء ولام الألف ولا شك أن ما يقوم بدرهم في عصر الخليل أمام العروض، يكون أعلى شأناً مما يقوم في عصر أبي نواس بدينار، فانظر الفرق وأدرك الصدق. (2) كنت استربت القضية، وقلت من المخاطب يا ترى بهذا، ولعله ما يقال: (هي بن بي) إذ لا اسم ولا كنية ولا لقب ولا إشارة، وإذ بلغت هاهنا علمت أن المخاطب مغربي جاء إلى المشرق فقلت لعلي أنا (المراد ولكن ما معنى كون المغرب (مطلع مع أن الشرق مهبط الوحي، ومدفن الأنبياء ومطلع النيرين ـ بحسب الظاهر - ومنبع الرسالة ومقر البيت الحرام منذ خلقه الله، ومركز الخلافة في غالب الأوقات، ومنبع الحركة الإسلامية الحية الآن. فهل يمكن أن يقصد بذلك الإشارة إلى الإمام المهدي، المنوه بذكر ظهوره في بعض الروايات من المغرب ذلك) (ممكن لكنه فكرة بعيدة، فإن الرجل كثير الاجتماع مع من لا يرى كثيراً مما يقال من مثل هذا فلا يأجوج ولاسد ولا عوج ولا ولا على الأوصاف المشهورة ولا مهدي إلا عيسى وإن شئت ولا عيسى بعد خاتم الرسالة) ولعله يشير إلى الحديث القائل ببقاء طائفة في المغرب قائمة بالحق إلى قيام الساعة أو يشير إلى قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهَتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) بناء على أن السير الحقيقي للكواكب السيارة، ومنها الشمس والقمر، إنما هو من المغرب إلى المشرق فيصدق عليه أنه مطلع ما يهتدى به، وهذا أقرب ما أراه مقصوداً له، فليختر حفظه الله عند الاطلاع على كلامنا ما يحلو له، فلا محذور شرعاً وأدباً، وإن قصد الكل فدائرة الخيال واسعة وما باللسان عظم ولكل مقام مقال.
الهدى)
:
119