ديوان الباروني
الجزء ١ · صفحة ١٦٥رحلت ولم ترحل بعدت ولم تزل قريباً ولكن الغزاة تأنسوا فسلم على الصحب الكرام وقل لهم إذا سألوا إن القليل تمجسوا وأما الكثير التابعون لنهجهم فقد مزقوا ثوب الشقا وتقلنسوا ورض في رياض القيروان مواصلاً بروحك أعلاماً هداة ترأسوا وسوف توافيك البشائر أنهم على فكرك السامي مدارس أسسوا لكل زمان قادة وضراغم إذا اشتد أعوان البلاء تترسوا فلا تيأسن من روح ربك إنه نصير الهدى إن وسوسوا وتجسسوا برونية خذها رثاء ولا تسل إذا خَمس الأعداء عيني وسدسوا فإني لها والدهر يعدل تارة ويظلم مرات إذ القوم دلسوا
[134]- بعد سنة تقريباً من وصوله إلى عمان، وبعد أن ساح فيها سياحته الأولى، كما سماها إخوانه إذ ذاك، والواقع ليست هي بسياحة مطلع يغادرها لمقر له، أو وطن مفتوح لاستقباله، إنما كانت جولة استطلاعية لابن من أبناء الأمة، وزيارات أخوية لإخوة أعزاء لديه في ديارهم العامرة
بهم.
وهذا ما كان يهزه فرحاً، ويبعد اليأس العميق الذي كان يغالبه الاستيلاء على وجوده، وهو يصارع حمى الملاريا متجلداً، لاح أمل ما لبعض أحبابه بأنه سوف يحصل على رخصة لمكان ما ولو للهند، للمعالجة والاستجمام، فودع دواخل البلاد، فوصل مسقط ورسائل التوديع الحار تتوارد عليه، وجاشت مشاعره بهذه القصيدة وداعاً لأهل عمان كافة، وهذا نصها: وداعاً من فؤاد مستهام إليكِ عُمان يا مهد الإمام إمام المسلمين أبو المعالي محمد المؤيد بالحسام سليل المجد طلاع الثنايا لحضرته أبادر بالسلام وداعاً والعيون تفيض دمعاً لحزن لم تذق طعم المنام تناجي القلب وهو يثن طوراً ويضرب تارة ضرب الرّزام كأن لسانه يتلو دواماً وهل مثل التفرق من سقام
165