ديوان الباروني
الجزء ١ · صفحة ١٨٣ما الحزن يحيى لموت كلنا عبر للموت جئنا فلا تبقي ولا تذر وإنما لمقرّ كنت فيه مضى في ضيق عيش وقهر الخصم إذ قدروا هذا الذي طرد النوم اللذيذ ولم نهدا ولم ندر نام القوم أم سهروا لم يُغن للدول الكبرى تزلفنا حتى جرى فيك ما قد خطه القدر
*
لهفي عليك عزيز النفس قد نضبت منك الحياة وغطي وجهك النضر ودعت أهلك والأوطان وانقطعت منك العلائق منهم وانتهى العمر رفعت فوق رؤوس كنت ترفعها على سرير إلى روض بها حفروا واروك وانصرفوا داعين واتعظوا بذاك، قد أدركوا أن لا بقا دروا
لنا (زوارة) مذ كنا وقد نشأت إخواننا الأصفيا ما شابهم كدر فلست يحيى غريباً في البلاد بلى أنت الأصيل إذا ما دقق النظر فحيثما كنت مدفوناً بلادك لا تستثقلن رمالاً ما بها مدر آه أبا زكريا الحر قد قطع الـ آمال نعيك قطعاً واستوى الذعر يبني المؤمل والقدار ضاحكة والغر يبسط والآجال تختصر كم فكرة في الدياجي كنت أنظمها في سلك مستقبل الآمال أفتكر أضحت سراباً وخاب الظن وانعكست بالنعي كم من قضايا جلها سفر
ما أنت يحيى الذي إن مات قيل فتى قد غاب لم يبقَ في الدنيا له أثر بل أنت يحيى الذي خضت الخضم على عفريتك الأسود الفتاك إذ زخروا (1) تغوص طوراً وطوراً فوق موجته تطارد المنشآت الشم تنتظر شاهدت منظر من أغرقت مركبهم فأصبحوا ما لهم مأوى ولا صُوَر أضحوا طعام سباع البحر في ظلم والمركب الضخم أمسى حظه الشرر
(1) يشير إلى ركوبه الغواصة من إستنبول إلى ليبيا - أعني من مرفئها من أوروبا، ومصادفتهم للخطر خمسة عشر يوماً.
183