ديوان الباروني
الجزء ١ · صفحة ٧٩كما أوضحت ذلك في الجزء الثاني من الأزهار الرياضية، المختص بأخبارها فأدركتني رقة، وأنا أتأمل في تلك الآثار، وأتذكر ما كان لها من حميد الأخبار، فقلت: قفا نبك أطلالاً تقلص ظلها ونندب آثار الذين بقوا ذكرا بني رستم من قام بالعدل ملكهم فأمست بهم تيهرت كالروضة الزهرا تحف بها الأنهار والزهر باسم بروض بساتين هي الجنة الخضرا أقاموا منار الدين دهراً وشيدوا معالمه واستسهلوا البر والبحرا فكم نظموا جيشاً وكم نشروا عدلا وكم هندوا سيفاً وكم ضربوا تبرا (1) وكم من حصون أحكموا ومعاقل وكم مسجد أحيوا وكم عمروا قطرا وظل لواء النصر يخفق فوقهم وتيهرت دار العلم والدولة الكبرى فكم من أمير تحت ظل ابن رستم تقلد فيها السيف واكتسب الشكرا وكم من إمام كان في الدين حجة وكم في سياسات الملوك ترى بدرا فأمست خلاء تذرف الدمع حولها عيون بها قرت وسادت بها دهرا كذا الدهر خوان فيضحك تارة ويبكي مراراً صاغ من حلوه المرا أياً داركم عمرت والسعد مقبل عليك وكم بالعلم سادت بك الغبرا عمرت وعمرت البلاد سويعة من الدهر كانت من نوادره الغرا يشد إليك الرحل من كل وجهة بك العيش رغد طيب وبك الأخرى (2) فهل فيك من يدري وقوف متيم يكفكف دمعاً نادياً مربع الذكرى يفتت أكباداً ولما يطق صبرا القلب والكلى
يئن أنيناً يجرح
(3) 1
سلام سلام من قلوب كئيبة أطلالاً تسائل ولم تكتسب خبرا على معهد الإسلام والدين والهدى وربع ملوك كان ملكهم صدرا (4)
(1) التبر هو الذهب قبل أن يضرب دنانير، أي: وكم ضربوا من قناطير الذهب دنانير باسم دولتهم، ومن طالع الأزهار (الرياضية ورأى ما نقلناه في شأنها عن مشاهير المؤرخين علم أننا لم نتجاوز الحد، بل لم نأت بما يلزم من وصفها فيما ذكرناه هنا، فلا يبادر
بالانتقاد (ومن جهل شيئاً عاداه).
(2) أي: اجتمع فيها الدنيا والدين. (3) بإسكان الباء.
(4) لأنهم أسسوا تيهرت واعتبروها مركز خلافتهم سنة 140 مئة وأربعين من الهجرة.
79