ديوان الباروني
الجزء ١ · صفحة ٩٠وبعد أن دخلنا الحمامات وهي في غاية من الانتظام والنظافة، اجتمعنا للأكل وشرب الشاي على بساط الأرض، والمنابع محيطة بنا وبخارها ملأ الجو متصاعداً، ثم رجعنا في الليل وقد طلع البدر والجو صاف، والعربة تسبح بنا في تلك الطرق المنظمة بين تلك الأودية والجبال الشاهقة، وعندها تذكرت تلك الأيام التي قضيتها في جبال نفوسة بطرابلس الغرب، أوان الربيع مع كثير من الأعيان في جبل بنداو كما سبق ذكره، فقلت: تدفق ماء معدني من الصخر يذكرني مما تخلد في الفكر زماناً قضينا في جبال نفوسة بربوة (بنداو) المجاور للقصر فحنت إلى الأوطان نفس غريبة نأت فرأت أنساً بإخوانها الغر فأنت وتاهت في الخيال ورفرفت عشية إذ هب النسيم على الزهر ودارت كؤوس (الشاي) بين أحبة كرام كإخوان الصفا مظهر الفخر سبحنا وروحنا النفوس سويعة وعدنا وجنح الليل منسدل الستر تحف بنا تلك الجبال يزينها من الثلج هامات كمنفلق الفجر وطرق كقضبان اللجين ترصعت بها الروض من صنف الزياتين والسدر هنيئاً لنا إذ تم أنس اجتماعنا وعدنا وكل الجمع منشرح الصدر
[76]- قلتُ مفاكهةً لعزتلو موسى عارف بيك قراده، واعتذاراً عن وعد أخلفته معه بعد الاتفاق عليه لأعذار حدثت: (عقد) بدا في الليل منفسخ فلا تعمل بقول بالظلام تخللا انظر قواعد فقهنا في (نيلنا) (1) تجد الكلام محققاً متهللا وعليه لا تحكم بخلف الوعد إن لم نأت في ليل بوجه مقبلا خلق النهار لكسبنا ولديننا (2) والليل قل سكن فنم مستقبلا لا يشغل المشغول إن شغل بدا والاجتماع به الزمان تكفلا
(1) كتاب في الفقه كبير.
(2) لأن الله تعالى يقول: {وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسَا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَّا).
90