عبق من التاريخ الإباضي مدارس إباضية عبر التاريخ لمهنا السعدي
الجزء ١ · صفحة ٢٧وقد اعتمد أبو عبد الله على نفسه في توفير مصدر قوته ، فلم يشغله العمل العلمي والاجتماعي عن السعي لكسب الرزق بكد يمينه ، فقد اتخذ لنفسه غنما وماشية يتنقل بها بين عدة مناطق ، متتبعا مصادر الكلأ ، مثل نفوسة ، ووادي سوف ، ووادي أريغ ، ووادي ميزاب ؛ كما كان يملك ضيعات كثيرة .
كان للشيخ أبي عبدالله الفضل في تأسيس نظام العزابة ، الذي يعد آية بين النظم الاجتماعية القديمة والحديثة ، وقد أطنبت المصادر في ذكر تفاصيل تأسيس هذا النظام البديع ، فقد كانت المبادرة لوفد من طلبة جربة التقوا بالشيخ أبي عبدالله وهو في طريقه إلى قصطيلية ، وبلغوه وصية شيخهم وشيخه - من قبل - أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور بأن يطلبوا منه تأسيس حلقة للعلم ، فأبى أول الأمر ، وبعد إصرارهم وإلحاحهم الشديد اضطر إلى الموافقة ، فاشترط عليهم مهلة أربعة أشهر ليرتب فيها نظاما محكما ودقيقا للحلقة ، فوافقوا ؛ وقد ساعده في التنظير والتخطيط لهذا النظام شيخه فصيل بن أبي مسور ، ولذلك عرف هذا النظام بـ " السيرة المسورية البكرية " .
ثم شرع في تطبيق مبادئ هذا النظام في أول حلقة له بغار في " تين يسلي " ، وهي " بلدة اَعْمَر " بالقرب من مدينة تقرت جنوب شرق الجزائر حاليا ، وذلك في سنة 409هـ .
والشيخ أبو عبدالله لم يحصر هدفه في مجرد التعليم الديني النظري فحسب ، وإنما سعى إلى غرس مبادئ الإسلام في طلبته ، على أنه منهج حياة ، لا فصل فيه بين العلم والعمل ، ولا بين النص والواقع ؛ ولذلك كان الشيخ كثير السفر بطلابه في المغرب الإسلامي من نفوسة شرقا إلى وادي ميزاب غربا ، يتعلمون ويعلمون الناس أمر دينهم ، وقد استقر بالحلقة في عدة مناطق منها : تين يسلي ، وقصطالية ، وطرابلس ، وجربة ، ووارجلان ، وغيرها ؛ ولهذا عرف عند العامة بـ " سيدي محمد السايح " .