شاهد على اغتيال الثورة
الجزء ١ · صفحة ١٤٤هذه التجربة مغايرة كل التغيير لتجربة القرى الفلاحية التي بنتها الدولة بعد ذلك، وهي اليوم مهجورة في غالبيتها وغم الأموال الخيالية التي صرفت في بنائها … لأن القرى الفلاحية العصرية بنيت في أرض سهلة وبعيدة عن المزارع .. بحيث تنزع الفلاح عن محيطه ومناخه وأرضه ومواشيه لتجعل منه شبه موظف، حضري وقامت وسائل الإعلام بتحريف الحقيقة بحيث صورت الثورة الزراعية والقرى الاشتراكية تصويرا كله تهويل وملأت رؤوس الناس دعاية وزيفا وغلبت الشعارات على الواقع والخطب الرنانة على الانتاج الحقيقي، وضاع الفلاح والأرض وهم عليها الوسطاء. وأعوان الدولة وموظفوها السامون وغيرهم ليفسدوا التنمية إفسادا لا من يزيد عليه.
لقد جند جهاز الحكم جميع الوسائل لخدمة دعايته وليس لخدمة الأرض، وصارت الثورة الزراعية في الصحف والأناشيد والأغاني والمسرحيات فيخيل إلينا أن الجنة أزلفت والجزائريون استقر مقامهم بها … بحيث ظننا أن السكن أصبح من نصيب كل مواطن والعمل والمدرسة والمستشفى والسعادة عمت الجميع … وكانت أمنيتي وأنا في سجني أن يكتب لي البقاء فأشهد المعجزة وكان لي ما تمنيت بإذن الله وفور إطلاق سراحي توجهت رأسا إلى منطقة الأوراس لأقضي حجا إلى تلك البقاع التي ولدت فيها روح الثورة أول مرة … ودخلت قرية أولاد" "موسى" التي اجتمع فيها أول فريق لمجاهدي نوفمبر بقيادة الشهيد البطل مصطفى بن بولعيد، ودون مبالغة قد سحقت مشاعري لما رأيت أناسا يسكنون الكهوف والمغاور ويمشون على الأرض هونا .. لم تطلع عليهم أنوار الحرية والاستقلال في أواخر السبعينات هذا القرن … أما فالحديث فيها كالحديث على المريخ … سألت نفسي ترى إلى هذا الحد كانت دعاية النظام نافذة وزائفة في نفس الوقت ومضللة وبادية أكاذيبها للعيان. أحسست بقرف السياسة والسياسيين وراجعت شريط الزيف من أيام التسيير الذاتي للمؤسسات إلى الثورة الزراعية … والقرى الاشتراكية فلم أعثر إلا على حقيقة واحدة هي شقاء الفلاح وإفساد الأرض والاعتداء على قيم المجتمع الزراعي الذي كتب على نفسه أن يحب الأرض ويموت من أجلها ويجعلها عنوان شرفه وكرامته … لقد حولنا النظام إلى آلات مستهلكة وأنفس ذليلة خاوية
من
عن
المرافق
132