شاهد على اغتيال الثورة
الجزء ١ · صفحة ١٦الشرعية ليستأثر بها بعض قادة الولايات … بعد مؤتمر طرابلس 1962، إذن لا أحسبني أدلي بحرف واحد لو أن مصطفى بن بولعيد، والعربي بن مهيدي وسي امحمد بوقرة وعميروش … وغيرهم رحمهم الله ما زالوا على قيد الحياة لأننا نحن الجنود كنا نعتقد أن قضيتنا في الجهاد وفوزنا في عملنا الثوري إنما يتأسسان على مدى طاعتنا الواعية لأوامر الثورة ولنداء الواجب ولم يكن يهمنا الكلام عن أنفسنا ولا عن مصائرنا كأشخاص …
لكن وبعد أن رحل صانعو مجد الثورة خرجت من ترددي إلى العمل علي تسجيل خواطري مستجمعا بعض ما في الذاكرة من شتات وما علق بها من صدى الأحداث الجسام، مستلهما ماضي الثورة المجيد مستذكرا أننا كنا رغم فهمنا البسيط للأمور منسجمين مع أنفسنا مؤمنين بالنصر أو الاستشهاد في سبيل أن تحيا الجزائر حرة مستقلة.
وقد كان حوارنا ونحن نلج فجر الثورة الأول جديدا في مضمونه وأسلوبه ولغته لم نعهده من قبل لأنه حوار الثورة والبعث من سحيق الموت … بحيث كان البعض يعتقد أنه يخوض مغامرة في أعماق المجهول ولكنها مغامرة مقدسة. والبعض الآخر يتصور أنه جاء متأخرا وقد فاته الكثير يرجو أن يدركه. أما فريق ثالث فيتوهم أنه في جولة أو نزهة قد لا تطول. وفريق رابع لا يهمه ما يقال ويحدث بل كان ما يعنيه هو تحرير الوطن من الوجود الاستعماري وتطهيره من لوثة الفكر والجهل والقهر والعار .... الخ …
والممتع في تلك الأيام أسلوبنا الذي ابتكرناه في التعارف بيننا بحيث كلما سأل أحدنا أخاه المجاهد القادم لتوه ينضم لمسيرة الثورة، متى وأين ولد؟ يجيبه دون تفكير ولدت يوم فاتح نوفمبر 1954 تحت هذه الشجيرات أو على
6
أكتاف هذا الوادي … وشهادة ميلادي بندقيتي التي فوق كتفي .....
وهل لك عائلة؟
يرد بسرعة: «أمي الجزائر وأبي ذلك العلم الذي يرفع إلى عنان السماء عبر
درب الدم والشهادة … ». هل تشكو من أمر ما؟
يجيبه: أنا مصاب بمرض مزمن منذ مائة وثلاثين عاما (130) وقد اهتديت إلى الشفاء … ».
تعاقبت الأيام والسنون حبلى بالأحداث والصراع اليومي مع العدو فجرب جميع وسائل الفتك والتدمير، واستنبط أنجع خطط وأساليب التجويع وإبادة
10