شاهد على اغتيال الثورة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦8
وكانت الخيانة أسبق من الهزيمة
4
بعد
اطمأن قلبى على مصير الطاهر الزبيرى وتهريبه سالما إلى منطقة الأوراس … غادرت ملجأ بوزريعة إلى بيتي في منطقة حيدرة وبقيت أتنسم أخبار وصوله … ولم ينم لي جفن إلا بعد أن تأكدت من وصوله سالما وقد ترسبت في أعماقي حقيقة مؤلمة أن الزبيري لم يخسر المعركة نبه الوشاة بومدين إلى برج الكيفان (شرق العاصمة) أين
يوم
كثرة تحركاته وتنقلاته بين العاصمة وبين مدينة يرابط فيلق الدبابات … حيث كان كثير الاجتماعات بضباط الثكنة … ولا يوم أن وافق على خروج ذلك الفيلق إلى منطقة الأصنام، ولا حتى يوم أن هزمت قواته على مداخل مدينة العفرون وتيهان رفاقه وجنوده في الجبال والسهول … ولكن هزيمته الحقيقية بدأت يوم أن باع نفسه لرجال ليس في قاموسهم مكان يوم أن كاشف السعيد عبيد ومحمد الصالح يحياوي بخطته وباح لهما بسره الخطير … وصدق بعد ذلك مزاعهما بدعمه ومساندته … وكانت الخيانة أسبق من الهزيمة.
للثقة …
اتصال
عدت إلى حياتي العادية بين أسرتي وأبنائي بعد غياب طويل وعناء الليالي والجبال وبرد الشتاء الذي لا يرحم … توهمت أجهزة النظام أن الزبيري ما زال على بي وأنه لم يغادر المنطقة … وراهنت على عامل الوقت متوهمة أنها ستقبض عليه لا محالة .. والتزمت عدم إزعاجي … فلم يأت إلى بيتي شرطي واحد ولا دركي … إلى غاية شهر أفريل 1968، لم تنم أجهزة النظام طيلة تلك الشهور بل عمدت إلى أسلوب مخابراتي جد متطور ولكنه أسلوب خسيس ووضيع … بحيث هجرت الأسرة التي كانت تسكن البيت المجاور لبيتي وخصصته لإيواء بعض العجزة وأطفال الشرطة والأمن للتمويه فقط .. ونصبت فوق أسطح المنازل وعلى شرفاتها (كاميرات) وآلات تسجيل دقيقة وتصوير وتصنت، وبهذا الحزام الأمني المضروب على بيتي غدت تراقب جميع تحركاتي ولقاءاتي وأحاديثي ومكالماتي … حتى أنفاسي سمعتها في آلات تسجيلهم عندما قبضوا علي وراحوا يستنطقونني … لم أغير طيلة تلك المدة أسلوب حياتي وعاداتي وتقاليدي … وظل بيتي مشرعا للجميع يأتيه القاصي والداني، الرجال والنساء والشيوخ … ومعظمهم من جنودي القدامى وأطفالهم وعائلاتهم، وأبناء الشهداء وقد تم استنطاقهم فيما بعد عندما قبضوا علي وبدأ التحقيق معي … ولم يسلم
،
189