شاهد على اغتيال الثورة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧أحد ممن زاروني في تلك الأيام من جحيم التحقيق البوليسي والأمني … حتى الشيوخ والأطفال وبعض أصدقائي من المجاهدين المعروفين … تضايقت كثيرا لذلك الأسلوب المفضوح … فقررت أن أريحهم من متابعتي وأرتاح بدوري وأضع حدا لمضايقة زواري ومتابعتهم بوليسيا … فسافرت إلى الخارج في رحلة طويلة معتمدا جواز سفر مزيف باسم مستعار وقد ساعدني عليه بعض أصدقائي المخلصين وتقرر سفري يوم 27 أفريل 1968 إلى فرنسا، حيث دخلت مطار السانية بوهران متخفيا وتمكنت من مغالطة رجال الأمن وحرس الحدود الذين شددوا رقابتهم على جميع المسافرين وقد ملأت صوري مراكز الشرطة ومراكز الحدود تحسبا لأي هروب أو طارئ آخر … فشلت مخططات أجهزة أمنهم رغم وسائلهم التكنولوجية العالية … وسقطت خرافة متابعتهم لي … وهكذا غادرت الجزائر تاركا ورائي زوجي وولدي وابنتي التي لم تتجاوز شهرها السادس وباقي أسرتي وأصدقائي .. وما إن حللت بباريس حتى جد
الأصدقاء
5
في
طلبي …
مع كريم بلقاسم في باريس
اتصل بي
الشخصية
السيد كريم بلقاسم من خلال رجاله وكان وقتها يرأس حركة سياسية معارضة أطلق عليها: الحركة الديمقراطية الثورية (M.D.R) وقبل أن أجتمع إليه اتفقنا على أن يكون لقاؤنا أخويا وشخصيا لا لقاء سياسيا، فوافق على هذا الشرط … وفي أحد الأيام بينما كنت في إحدى المقاهي المتواضعة … التي يملكها مهاجر جزائري في الدائرة التاسعة لباريس شاهدت كريم بلقاسم وقد انتحى ركنا من أركان المقهى، وذهب يعب قهوته بهدوء وبيده صحيفة يطالع فيها أخبار اليوم، اقتربت منه دون أن يحس بوجودي حتى إذا انتبه فجأة انتصب واقفا وفتح ذراعيه واحتضنتني بقوة وهو يطلق ضحكة طفولية خالصة وكأنه يعانق من خلالي جبال الجزائر وزيتونها وأرزها وصنوبرها … وأخبار البلد … وكنت لم أره منذ أن غادر الجزائر سنة 1965 … حدقت في ملامحه فرأيت أمواج التجاعيد تملأ محياه وافترت عيناه عن نظرات حزينة وقد ضاع عنها بريق سنين الثورة والنصر …
190