شاهد على اغتيال الثورة
الجزء ١ · صفحة ٢١٥أن يحطموا معنوياتي … فأصرخ أو أبوح بما في صدري … ولا أنا بإمكاني أن أموت أو أتنازل عن مبادئي …
وتطور الصراع إلى نقطة المستحيل … وكنت أكرر على مسامعهم جميعا أن كل ما أعرفه من أسرار لا يخفى على أجهزة أمنهم … استمر الجلادون يراهنون على عاملي التعذيب والوقت تحدوهم رغبة معرفة كل ما يخفيه صدري من معلومات وأسرار إلى غاية 27 أوت 1968 حملوني شبه مشلول إلى سجن يوم سيدي الهواري بوهران حيث قضيت مدة شهرين في السجن دون أن تعلم أسرتي ولا أصدقائي بمكان وجودي … وكلما سألت عائلتي عن مصيري أجابتها أجهزة الشرطة نحن أيضا نفتش عنه لإلقاء القبض عليه .... لذا يجب أن نتعاون جميعا للعثور عليه … !!
2
من جحيم التعذيب إلى جحيم الزنزانة لم أغير ثيابي طيلة ثلاثة أشهر من السجن والتعذيب … وقد منعوني من غسلها … ولما كان موعد نقلي من زنزانتي بالعاصمة إلى زنزانة أخرى في سيدي الهواري قيدوا يدي بالحديد وأوثقوني إلى سجناء آخرين مقيدين مثلي وعصبوا عيوننا جميعا فكان يستحيل علينا أن نفرق ما إذا كنا في النهار أو في الليل … ثم حشرونا جميعا في شاحنة قذرة معدومة النوافذ ليس فيها تهوئة تتصاعد منها روائح كريهة تبعث على الغثيان والموت … انطلقت بنا تلك الشاحنة الملعونة من العاصمة إلى مدينة وهران وقطعت بنا ونحن على تلك الحال ما لا يقل عن خمسمائة كيلومتر، كانت مفاجأتنا أكبر عندما دخلنا سجن سيدي الهواري وبدأ حراس السجن يفتحون الأبواب وكثر هرج الأبواب وصرير المفاتيح … فأدركت وأنا معصوب العينين أن للسجن أبوابا كثيرة لكنهم لم يبقوا علي في الطابق، بل أنزلوني عبر سلالم لولبية ذات مدارج كثيرة إلى أعماق الأرض حيث أودعوني زنزانة منفردة في الدرج الأسفل من سجن سيدي الهواري الذي يعتبر قلعة مطلة على البحر بها ممرات وأنفاق بناها الإسبان أيام غزوهم بلادنا ليحتموا بها من ضربات المجاهدين الجزائريين وبالقلعة دهاليز لإخفاء أسلحتهم وأمتعتهم، إذن هي حصن منيع لكنه سجن مخيف وفضيع ببرده القارس شتاء وبحشراته السامة وأوساخه وبوجهه الجاهم الحزين الذي يبعث الرعب في النفس …
6
ذلك
198