شاهد على اغتيال الثورة
الجزء ١ · صفحة ٢١٦كانت الزنزانات على شاكلة بئر أقيمت على حافة الممرات فهي كالعفاريت فاتحة أفواهها في الظلام تلتهم كل يوم بشرا بلحمهم ودمهم وأرواحهم …
تشقه
هو
أن
كان أكبر خصمي في زنزانتي الصمت … ذاك الخصم العنيد القاتل الذي من حين لآخر قعقعة باب أو وقع جزمة غليظة لسجان أو سعال مقيت .... أما الزنزانة فلم تكن تتسع لأن أمدد جسمي وأريحه قليلا إذ لم تتعد مساحتها المترين على متر واحد .... رفع السجان العصابة عن عيني ودفعني بأعقاب بندقيته إلى داخل الزنزانة … لم أتمالك نفسي فسقطت ووقعت أرضا بعد أن أدركت أن أرضية الزنزانة دون مستوى عتبة بابها … استقر جسدي داخل الجب، وبدأت أتلمس أسرار المكان فاكتشفت أن وسيلة تهوئة الجب تتم عبر فراغات وشقوق أسفل باب الزنزانة المرتفع الذي لا أستطيع ملامسته إلا بعد أحف على ركبتي صعودا على الممر الأملس … واجهت مأساة أخرى بعد أزمة التهوئة … هو الحصول على أثر لممارسة حاجتي البشرية … لم أعثر على ثقب ولافتحة ولا نافذة … فكل ما هنالك ظلام وطلاسم … شيء لا يصدقه عقل ولا يقبله منطق آدمي .... بدأت أتعلم الحياة في الظلام وأتكيف مع السواد الدائم وأبصر حقائق زنزانتي بجدرانها الترابية ذات الروائح الكريهة المخيفة … وسقفها المبتل الذي غدا مأوى الحشرات سامة وحيطانها الرطبة المشققة وأرضيتها ذات الأحجار الناتئة … تعذر علي التمدد … وخزتني أحجارها المسننة … ويئست من وجود حل لمشكلتي؟ … وحزنت حزنا لا مزيد عليه لفراقي زنزانتي الأولى في العاصمة … استمرت مقاومتي الموت والجنون في ذلك القبر المخيف .. ثلاثين يوما بلياليها. كان الواقع لدي وهما والوهم واقعا … لكني تعلمت من صلب ذاك الجحيم أن الهمجية إذا ركبت بعض النفوس صارت معولا خطيرا لهدم الإنسانية وتدمير شرفها … وفي صبيحة يوم سبتمبر 1968 وعلى الساعة السابعة مساء فتح السجان باب القبر المخيف وصرخ بصوت عال ازحف كي تتمكن من الخروج وفعلا بدأت أزحف إلى أن تمكنت بمشقة من الوصول إلى أرضية الممر حيث وجدت نفرا من حراس السجن وما هم في الحقيقة إلا عناصر من أعوان الأمن العسكري كما علمت فيما بعد … أركبوني سيارة خاصة وأعادوني إلى العاصمة وقبل أن يدخلونى السجن طافوا بي كثيرا في شوارع المدينة وأنا معصوب العينين كي لا أتمكن من تحديد مجال وجودي … كدت أتقيأ من فرط الجوع وأثر
27
199