مذكرات الرائد سي لخضر بورقعة: شاهد على اغتيال الثورة لخضر بورقعة

شاهد على اغتيال الثورة

الجزء ١ · صفحة ٢٢٠

التي أهداها لي

السجان ليلة فاتح نوفمبر العظيم … اكتشفت أنها مجرد مرحاض

كبير بني الحاجة السجن كله …

كانت ميزة تلك الزنزانة أنها أوسع من سابقتها وأن بابها مرتفع قليلا بحيث أستطيع أن أرى من تحته أحذية الحراس وهم يجوبون بهو السجن … أما وسطه فامتد خندق غائر في الأرض تتسرب منه رياح الحسوم القارسة … حرت كيف أنام في مجرى تلك الريح … وحرت إلى ما أسند رأسي … هل أسنده لرياح الباب العاتية أم لعاصفة المغارة بروائحها النتنة … وقد أخذ التعب والإرهاق مأخذا مني رهيبا … لم أعد أقدر على حمل جسمي من الهزال وبقايا جراح التعذيب والأورام … وبينما على تلك الحال حتى واجهني جرذ ضخم الجثة حاد النظرات … حاولت أن أرميه بالدلو، لكني خشيت أن يسقط دلوي في تلك المغارة، فهششت عليه بعباءتي فانطلق إلى قاع المغارة وهو يصرخ محتجا على وجودي في حدوده الإقليمية. اطمأن قلبي قليلا لذهابه … لكنه سرعان ما عاد ثانية يقود جيشا جرارا من الجرذان ذات الأحجام والأشكال المختلفة … انسحبت قليلا واتكأت على الحائط مستجمعا قواي لمواجهة جرذان السجن وتذكرت أني في ليلة فاتح من نوفمبر، وتداعت صور الماضي، فتذكرت طفولتي في القرية الهادئة المسالمة أين كنت وأقراني نصطاد أسماك الأودية والينابيع … وعصافير الغابات المزركشة الألوان … ثم تذكرت ريعان الشباب لما كنت أشارك المجاهدين الأشاوس صيد الأعداء … وملاحقتهم من على أرضنا المقدسة في كل مكان … لكن بعد كل هذا العمر الحافل بالانتصارات والأحداث … أراني سجين أربع حيطان في سحيق الأرض … تحاصرني جرذان مسمومة ليلة فاتح نوفمبر المجيد!!! أهو جزاء من أحب وطنه وفداه … ؟ كادت دموعي أن تنفجر من مآقيي المتجمدة … لفرط القهر والاضطهاد والظلم الذي فاق جميع التقديرات وأحط بإنسانية الإنسان إلى مدارج الحيوانية المتوحشة. قطعت على نفسي شريط التذكر … وعدت أسألها حلا لمقاومة طوفان الجرذان التي ما انفكت تتكاثر باستمرار … وباغتني نقر خفيف على جدار زنزانتي الذي يفصل بيني وبين الزنزانة المجاورة … لم أتبين النقر … وبقيت أرقب مصدره ودعواه … لم يتوقف الطارق واستمر يلح علي أن أجيبه ما طلت في إجابته خشية أن تكون مكيدة من جلادي السجن … ولما يئس من ردي عليه ناداني بصوت حسبته آت من أقاصي الأرض أو من فضاء سحيق … قائلا:

203