مذكرات الرائد سي لخضر بورقعة: شاهد على اغتيال الثورة لخضر بورقعة

شاهد على اغتيال الثورة

الجزء ١ · صفحة ٢٤٤

غمرته السعادة بالعثور على المجاهدين وراح يقص رغبته في الالتحاق بالثورة لم يصدق المحافظ السياسي، دعواه، وتوجس من أمره وشك أن يكون جاسوسا زرعته مخابرات العدو في جسد الثورة ليدمرها من داخلها … وأشكل الأمر عليه نهائيا وخاف أن يكون سببا في تنفيذ خطة العدو الغامضة عن حسن نية … وأمر

فورا بإعدام الجندي الفار وأصر على قتله … ورغم نحيب الشاب وصراخه واستعطافه المجاهدين وتبرئة ساحته ازداد محمود بن مهل تصميما على إعدامه … ونفذ في الشاب البريء حكم الإعدام .... وتناهى خبر الإعدام إلى أخ المحافظ السياسي المجاهد «فارس» بن مهل … فاستدعى شهود العيان وأعاد تمثيل الحادثة تمثيلا موضوعيا .. حتى تأكدت له براءة الجندي الفار من ثكنة العدو … وتأكد لديه تورط شقيقه محمود وانسياقه وراء أهوائه … فقتل الجندي جرما دون محاكمة ودون حجة يقينية تدين تورطه في التجسس عن الثورة … وبناء على ذلك التحقيق الدقيق أمر «فارس» بإعدام أخيه على مرأى الجميع وبحضوره شخصيا وأصر أن يرى جثة أخيه مضرجة بالدماء جزاء له على تسرعه في قتل شاب بريء فر من مواقع العدو ليلتحق بثورة شعبه … وكانت تلك الحادثة درسا خالدا وأبديا فى سجل الثورة الجزائرية مهد الصدق والتجرد من الذاتية وتقديس المبادئ العليا التي تحمي المجتمع وتحافظ على صحة

وسلامة علاقاته …

ومسمع

بهذا الموقف الأسطوري للمجاهد الذي أعدم أخاه الأصغر رغم جميع الاعتبارات الإنسانية نلاحظ كم كان حرص الرجال على ثورتهم حتى بالمجاهدين تهمة أنهم قتلة إرهابيون لا ثوار يزرعون الحرية والسلام في الكون …

لا تلحق

وحتى لا يتخذها العدو ذريعة للتشنيع بالمجاهدين والتشكيك في رسالتهم. إن قسوة الثوار على أنفسهم وعواطفهم فوق طاقتهم لا نجد لها مبررا إلا في

إخلاصهم لوطنهم وهويتهم وعقيدتهم وخوفهم من مصيبة الانحراف بالثورة. هذه الأحداث قليلا ما نجد لها مثيلا في تاريخ الأمم الأخرى ولعل أشبه الأحداث بها تلك التي كانت في إحدى فتوحات الرسول عليه الصلاة والسلام عندما واجه أحد المهاجرين والده الكافر وأخويه وألح على قتالهما … فكفاه على وعمر قتالهما .. حتى إذا رأى رؤوسهم تتهاوى إلى الأرض ذرف دمعة رحيمة ولم يزده الموقف إلا إصرارا على الجهاد ومقاومة الكفر.

227