مذكرات الرائد سي لخضر بورقعة: شاهد على اغتيال الثورة لخضر بورقعة

شاهد على اغتيال الثورة

الجزء ١ · صفحة ٢٦٣

هي

الخيال بحيث ترصد لحياتنا من أبسط مواصفاتها إلى أدقها … تعرف ما الذي يأكله المجاهد العادي والضابط ومتى وأين وكيف ينام … وهل ينامون متفرقين أو مجتمعين، وما إذا هم يغيرون مواقع نومهم … وما هي أنواع الخلافات الموجودة بين الضباط أنفسهم أو بينهم وبين جنودهم … ومن هو المسؤول أو القائد الكثير الكلام أو القليله … وكيف كان المسؤولون يتعاملون مع النصر، ومع الهزيمة، وما حدود الفرح عندهم وحدود الألم ومن هو المنبسط في حياته والمنطوي … ؟ بحيث كانت الأجهزة الخاصة تعرف أمزجة وانفعالات كل واحد منا وطباعه وأسلوبه في الحياة … فضلا عن ماضينا وماضي عائلاتنا وسلوك طفولتنا … ولم يتوصل العدو إلى هذا الحد من حصارنا بمعرفة أنفسنا إلا بالاعتماد على المعلومات الغزيرة التي ترد عليه يوميا من عيونه المبثوثة في كل مكان، وكذا بالاعتماد على خبرة علمائه المتخصصين في علم الاجتماع وعلم النفس والانثروبولوجيا وعلوم الحروب المختلفة والمؤرخين … إلخ.

وتساءلت

متي

لما

صادف وأن كنت أجوب ثكنة للعدو بعد أن طردنا قواته في عام 1962 وقع نظري على ملفات وخرائط حائطية ووثائق عديدة تحتوي على معلومات عن الثورة والمجاهدين والمعارك … ولما قادني الفضول إلى تصفح بعضها .. عثرت على صورتي الشخصية ضمن ملفاتهم بلباسي العسكري … حرت أشد الحيرة، التقطت لي تلك الصورة؟ ومن التقطها؟ واين؟ وزادت حيرتي عشرت على ملف كبير شمل أدق تفاصيل حياتي الخاصة والعامة التي تعجز أسرتي وأقربائي عن معرفتها والإحاطة بسرها … كانت قضايا استعمال العلم والتكنولوجيا في حرب العدو ضدنا … من أخطر الوسائل التي أرهق بها كاهلنا في الثورة، واستغلها بعد استرجاع السيادة لتقزيم الثورة وتوجيه مسارها توجيها معاكسا لحركة التحرر والانعتاق الثوري الشامل … وتلك كانت الفوارق بين شعب يواجه النار بصدور عارية وبطون خاوية وأياد خالية … وعدو بنى ترسانته العسكرية طيلة عشرات السنين وأحكم بنيتها وهياكلها ووزع مهامها بدقة فغدت تعمل آليا بأسلوب شامل متكامل لا يخطط في المجال الآلي وحسب ولكنه يتأمل فيما يمكن أن تنتهي إليه كل ظاهرة وما تفرزه كل حادثة.

242