شاهد على اغتيال الثورة
الجزء ١ · صفحة ٨٠وافقنا على اقتراحه ونفذناه حرفيا حتى إذا رأى تلك النتائج استعاد نشاطه تدريجيا وعادت إليه روح الحماسة والنشاط اللذين عرف بهما كأنه طائر جريح مل المكوث في الأرض واشتاق إلى التحليق في الفضاء وعلى قمم الجبال العالية.
بقي بونعامة على اتصال دائم بمقر القيادة في الخارج إلى أن صدرت الأوامر صالح ونقله إلى تونس ولم ندر إذا كان هذا الأمر بالترحيل بإيعاز
بترحيل سي
من بونعامة أو صدر عن القيادة نفسها في تونس .. ؟ المهم تلقى سي صالح الأوامر كعادته بصدر رحب وغادر جبل تمزقيدة تاركا وراءه فراغا مهولا في نفوسنا، لقد ظل طيلة أيامه الأخيرة رفقتي يشارك مشاركة رمزية في قرارات الولاية وكان بونعامة يمده بالتقارير لإبداء الرأي فيها وكثيرا ما كان يقدم ملاحظاته كتابيا دون أن ينطق بها وكأنه يعادي الكلام.
في يوم من أيام نوفمبر 1960 شهر البركة والنور عندنا نحن الثوار، كان الجو يغمره السحاب الأسود والمطر يتساقط ممزوجا بحبات الثلوج والبرد يلسع عظامنا على هامات الجبال في ذلك اليوم الذي خلدته ذاكرتي إلى الأبد غادرنا سي صالح إلى المجهول ميمما وجهه شطر تونس في رحلة عبر الجبال والمغاور المزروعة بالموت والشقا
كانت آخر كلمة لفظها إلي رحمه الله هي «أن أعْتَن ببوشريط ولا تفرط فيه» وما بوشريط هذا الذي مازال على قيد الحياة إلى اليوم إلا أحد الجنود الصغار سنا الذي كان يرافقني في جميع تنقلاتي وقد رافق سي صالح في أيامه الأخيرة أيضا، كانت لحظة وداعه صعبة ومؤثرة لم تسعفه لغة الخطاب لأن يبوح بأسرار قلبه كان ما يحس به ويعانيه في دفائن نفسه أكبر من قدرته على البوح واختنق صوته وآثر أن ينظر الينا نظرة وداع قاتلة وأن يخصني من دون الجماعة بحوار داخلي ونظرة اخترقت كياني إلى الأعماق قال لي فيها (يا الخضر يفيض صدري
ولا ينطق لساني).
سي
أوصاني صالح بذلك الجندي الصغير خيرا وبالثورة والمجاهدين وغاب إلى الأبد بين جذور الأشجار وأغصانها المتشابكة يحضنها ظلام ليل الشتاء، وغاب عن أنظارنا إلى أن توارى في المجهول وساد المكان صمت.
72