شاهد على اغتيال الثورة
الجزء ١ · صفحة ٨٥أقساطا
دامت عشر سنوات في المحاكم الفرنسية ولم تجد حلها السهل إلا في قضاء الجبهة، لقد كان قضاء عادلا وثوريا ينتقل بين المواطنين ويفصل في منازعاتهم باسم الثورة، كما أقرت الثورة أسلوب التعاونيات الجماعية في فلح الأرض واستثمارها بين الفلاحين الذين زودتهم ببعض الوسائل الأساسية على أن يتم اقتسام المحاصيل مناصفة مع جيش التحرير في نهاية كل موسم جني، ثم يجري طمر تلك المحاصيل في أماكن آمنة حتى لا تصلها أيادي العدو أو تتفطن لها عيونه المبثوثة في كل مكان، وكثيرا ما كانت توزع على المعوزين والمعدمين من المحاصيل أو أثمانها. لم يقف دور الثورة في النهضة بالإنسان عند حدود الجوانب المادية بل اهتمت أشد الاهتمام بالتوعية كما ذكرنا، وفي مقدمتها التعليم بحيث شجعت وأنشأت مدارس قرآنية في المداشر والقرى وتصدت لكارثة الأمية المستشرية في أوساط الجماهير بحيث كان عدد التلاميذ المتمدرسين في إحدى إحصائية سنوات الثورة الأخيرة لا يتعدى تسعة وستين ومائتين (269) تلميذا في المدارس الفرنسية في الوقت الذي كان فيه العدد الرسمي المؤهل للدراسة يصل إلى حدود المليوني تلميذ، ونظرا لخطر هذه المعضلة عملت الثورة على تغطية ما لا يقل عن 86 من نسبة التلاميذ الذين حرموا من حقهم في الدراسة.
ولولا تلك الثقة المتبادلة بين الثورة والشعب والتصميم القوي على تغيير الواقع البائس تغييرا كليا ما كان بإمكان الثورة أن تسحب إرادتها وحضورها من جميع أنشطة الجماهير في الفلاحة والتربية والتعليم والحراسة والأمن
والقضاء …
من
وتشرك الجماهير في رفد الثورة بكل ما تملك … كان المواطن بمحض إرادته يقوم بواجبه في التبليغ عن كل ما يجري من حوله كات العدو وعملائه وعدد قواته ونوعها وطائراته وتجهيزاته التي صار يعرفها حق المعرفة … إلى درجة أننا لم نكن نتحرك من منطقة إلى أخرى أو نقوم بعملية ناجحة دون معونة المواطنين الذين يمدوننا بأدق المعلومات وأخلصها. لقد توصلت الثورة إلى ضبط الإطار الاجتماعي ضبطا محكما وسنت قوانين مختلفة وإدارة تشرف علي سير الحياة وتنظم العلاقات العامة والخاصة بطواعية ودون إكراه إلا من خرج عن طاعتها.
77