التخصيص في الولاية والبراءة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨والكذب؛ لأنه قد قال بزعم المعارض: إِنَّهُ قد رضي عنهم جميعا، ثُمَّ إِنَّهُ إِنَّما رضي عن بعضهم، وهذا قد أدخل عليه الخطأ والكذب. بل ظاهر الخطاب في الجملة محتمل للعموم والخصوص، وما احتمل معنيين ضاق القطع بأحدهما. فإن قال قائل: أليس قد جاء في القرآن مثل ذلك ممَّا (1) حكم له بالعموم إلى أن دخل عليه ماخصه، كقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ (التوبة: من الآية 5)، فقد أجروا (2) هذا على العموم في جميع المشركين إلا أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمجوس بنص آخر، فلم يكن في (3) ذلك تكذيب لقوله؟
قيل له: ليس حكم الأمر والنهي والأحكام كحكم الإخبار عن الغيوب؛ بل الأحكام التي تعبدنا بها وجب علينا استعمال عمومنا لنكون على يقين من امتثال الأمر. وأما الأخبار فلم نكلف فيها ذلك؛ لأنها لم يدخلها النسخ، والأحكام يدخلها النسخ.
ففي
الحكمة (4) أن الله تعالى يقول لعباده: اقتلوا جميع المشركين، وليجاهد كل رجل منكم عشرة [أق 55 ب] منهم. ثُمَّ يقول بعد ذلك: لا تقتلوا أهل الذمة إذا أعطوا الجزية، وليجاهد كل رجل منكم رجلين منهم ليس عليه أكثر من ذلك. وليس في الحكمة أن يقول: قد (5) رضيت عن جميع المهاجرين والأنصار، ثُمَّ يقول: إنَّما
قد رضيت عن بعضهم، فهذا ينافي، صفته، ويشهد العقل بفساده.
فإن قال: ما تنكر أن يكون قد رضي عن المهاجرين، ثُمَّ يمكن الخصوص فيهم لنسخ
رضي
الهجرة؛ فكأنه قد ذلك الفعل، ورضاه عنهم في ذلك رضا منه عنهم في ذاتهم. قلنا: من رضي عنه لا يجوز أن يسخط عليه، ومعلوم أن رضاه على الحقيقة الجنّة، ولن يعطى الجنة من لم يرضَ عنه. وإذا كان الرضا والمغفرة إنَّما هو الجنة في الحقيقة؛ فكيف يستحيل ذلك أو يتغير أو يدخله التخصيص بعد القطع بالعموم.
1) في ج، د، و: فيما.
(2) في ج، د، و أخروا.
(3) في أ: - في.
4) في ج، د، و: الحكم.
5) في ب، ج، د، و، هـ: - قد.
202