عمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة لمحمد حصرية والسمان - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١١للشعب العربي كعنصر وكأمة … فقد استشفوا الخطر الذي يكمن من نهضته ضد خططهم العدوانية وآثامهم.
ولهذا فإن العنصر العربي كان - بالنسبة للسياسة الإنكليزية - موضع المقاومة والكبت، وما يزال، لأنه: بالإضافة إلى ما تقدم من دوره الإنساني التحرري الموعود يمثل - آنيا - شعب البلاد وهو الشعب المهيأ - دون غيره - لتحريرها وتطهير أرضها من الشرور … فوجه الإنكليز إليه جل ضغطهم … بل حاولوا - في معظم المناطق التي دخلوها كمسقط وسواحل الهدنة والخليج العربي - بأن يشتتوا قوى العرب، وأن يجبروها - بالإرهاب والتجويع والكبت - على الهجرة إلى الداخل فتتبدد في فيافي الصحراء وتذوب. وشجعوا - في الوقت ذاته - هجرة العناصر الغريبة (فارسية - هندية - يهودية - غورغية - سوداء - أرمينية - آشورية) لتحل محل العرب في بلادهم ولتكون أقليات كبرى حاكمة، أو أكثريات مع الزمن، إن أمكن … وهكذا تفصل العناصر الأجنبية الغريبة المنطقة العربية عن العالم العربي الكبير، وتستأصل الوشائج القومية التي نمت ورسخت خلال آلاف السنين.
وأستخدم الإنكليز - لتحقيق هذا الغرض - مؤسساتهم العسكرية والتجارية والصناعية والسياسية، فشحنوها - أولا - بأمثال هؤلاء الأجانب، مع إهمال أبناء البلاد وإحتقارهم وإبعادهم عن كل مسؤولية ما أمكن. فإذا زرت أيها القارئ الكريم المؤسسات الإستعمارية في مسقط والبحرين وقطر وغيرها من الإمارات والمشيخات … بل إذا زرت المؤسسات التي تحمل أسماء وطنية ولكنها تخضع مرغمة للإنكليز ولفلسفتهم في الحكم … لشاهدت آلافا من هؤلاء الصنائع العملاء الذين إستقدمهم الحكام من كل بلد غريب … بعد أن تمرسوا في خدمة الأجنبي، وتحرروا من كل رابطة قومية أو إنسانية، أو أخلاقية تربطهم بالشعب الذي يشاركون الأجنبي في حكمه وإذلاله.
بل والأدهى من ذلك أن الإنكليز لم يكتفوا بالموظفين والمستخدمين يستقدمونهم من البلاد الأجنبية … بل فتحوا أسواق البلاد المحكومة للجاليات الواسعة الغريبة وسلموها شؤون التجارة والصناعة، ودعموها ضد أبناء البلاد … فبينما كانت تزداد الجاليات الأجنبية ثراء ونفوذا كان ينحدر أبناء البلاد … أكثر فأكثر إلى مهاوي الفقر والجوع والمرض والذل.
وبهذا الأسلوب .. وبهذه الفلسفة المجرمة هيأ الإنكليز العناصر الغريبة في الوطن العربي لتشارك الأجنبي في حكم العالم العربي وفرض القيم الفاسدة عليه والترويج للشعارات الكاذبة … والعمل الدائب في الظروف الحرجة … ضد أماني الوطن الذي تعيش من خيراته.
وساند الإنكليز - إلى جانب هذا وذاك - التفكك الديني والمذهبي والعنصري والإقليمي وشجعوا الأقليات على البروز في المجتمع والتظاهر بما يخالف أماني المجموع والإنفصال عن الكيان العام وتشكيل كيانات غير عربية … عميلة مستقلة عن المجتمع ومغايرة لأهدافه وأمانيه.