عمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة لمحمد حصرية والسمان - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٥وقد حققت هذه المعاهدة السلم والإستقرار حتى المراحل الأولى من العدوان البريطاني الجديد الذي بدأ سنة 1954 م، وكان الإنجليز والسلطان مدفوعين بدافع الأمل في إحتمال وجود البترول (الذي تم إكتشافه الآن) والإصلاحات التي كان الإمام الجديد غالب بن علي يعتزم القيام بها لتجديد الدولة على الأسس الحديثة. وهنا أدركت الحكومة البريطانية أن ظهور نظام ديمقراطي تقدمي في جنوب شبه الجزيرة العربية، قد يشجع الناس في مسقط وفي غيرها من أرجاء المنطقة على المطالبة بالديمقراطية الأمر الذي يهدد كيان عدد من الأنظمة الإستبدادية الوراثية التي تحتمي بالنفوذ البريطاني.
وكان ثمة إتفاق سري بين السلطان والبريطانيين على منحهم إمتيازات إستخراج البترول على أساس أن تقوم القوات البريطانية بمساعدته في شن عدوان على عمان وقد تأسست شركة بريطانية باسم (بترولم دفلوبمنت عمان المحدود) لإستغلال بترول عمان. وينبغي الإشارة هنا إلى أن منح السلطان مثل تلك الإمتيازات كان تدخل منه في شئون عمان الداخلية، وبالتالي خرقا لإتفاقية السيب.
وفي 16 سبتمبر 1955 م إستولى البريطانيون على بلدة البريمي على الحدود بعد أن طردوا منها الحامية البوليسية السعودية، وأستعملوا البريمي كقاعدة، ثم أغاروا على عمان وأستولوا على عاصمتها نزوى. غير أن الجيش العماني أبدى مقاومة عنيفة. مما أضطر القوات المعتدية إلى اللجوء إلى القصف الجوي العنيف لإخضاع البلاد. وقد أباد سلاح الطيران البريطاني 17 قرية عمانية، كما أحدث دمارا جسيما بالخمسة مدن الرئيسية، ورغم هذه الخسائر التي تكبدها العمانيون في الرجال والعتاد فإنهم ظلوا يقاومون حتى هذا اليوم.
وبالإضافة إلى ذلك عمدت القوات المغيرة إلى إرتكاب أعمال وحشية أخرى فبعد قصف الأماكن الآهلة بالسكان، قامت وحدات من الجيش تعززها فرق المظلات بإجتياح البلاد وأسر عدد كبير من العمانيين. أما الجرحى فقد ألقي بهم في حضرموت خصيصا لهم ثم تركوا يموتون متأثرين بجراحهم. وقد تحدث إلى لجنتنا أحد الضباط البريطانيين فذكر أن السلطان كان يعارض توفير أي معالجة طبية للمرضى، لأنه كان يعتقد مثل هذا العمل سيكون في صالح أعدائه.
وقد وجهت حكومة عمان من منفاها نداء إلى هيئة الصليب الأحمر الدولية لتقديم الإسعافات الأولية إلى الجرحى والمصابين، غير أن السلطان رفض دخول أي بعثة من الهيئة إلى البلاد وهو عمل يشكل منتهى الوحشية والقسوة إذ لم يحدث قط في تاريخ الحروب أن رفض أي فريق تقديم الإسعافات الطبية للمصابين، أما الأسرى من الجنود العمانيين فقد كانوا يسلمون إلى سلطات السلطان لإستجوابهم. وكانت هذه السلطات تعمد إلى أبشع الأساليب في إنتزاع المعلومات منهم، وكان هذا يتم في بناء خاص حيث عهد إلى أحد أقارب السلطان بالإشراف على عملية الإستجوابات، وكان السجناء يساقون إلى غرفة في الدور الأول من المبنى حيث كان هذا المشرف يقوم بإستجوابهم.
أما من كان يرفض منهم الرد على الأسئلة فكان يلقى فوق قضيب حديدي