عُمان: أرض البطولات ومقبرة الغزاة محمد خير حصرية

عمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة لمحمد حصرية والسمان - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٤

النقطة الثالثة: سلوك الأئمة (الخاص والعام) وموقف المجتمع الإباضي منه:

نلاحظ أن المجتمع الإباضي كان حريصا على مراقبة أئمته شديدة جدا لا تهاون فيها … ولا ضعف … فالإمام يجب أن يكون مثلا أعلى … للمجتمع ولهذا لا يسامح عن هفوة مهما كانت شخصية أو تافهة … فجميع هفواته مهمة … ولابد من محاسبته عليها .. ولو أدى ذلك إلى عزله أو قتله.

إن هذه الحساسية رغم ما فيها من حرص على المثل العليا كانت كثير ما تسبب الفوضى والفتن، لكثرة ما حوسب الأئمة على بعض هفواتهم أو عوقبوا … وقد بلغ الأمر بالشباب الإباضي مرة أنه مل حكم الإمام الصلت بن مالك الأزدي (886 م 272 ه) فطلب منه إعتزال الحكم ففعل.

ولا يستطيع المؤرخ أن يدهش حين يلاحظ شدة حرص الإباضيين على توفر الشروط التي اشترطوها على أئمتهم … ثم حرصهم على مراقبة سلوك الأئمة بما يتفق مع هذه الشروط طوال مدة ولايتهم. كان الإباضيون لا يترددون عن محاسبة الإمام ومعاقبته … شأنه شأن أي إنسان يتعرض للخطأ.

فقد قيل أن الإمام عزان بن قيس - مثلا حوسب لأنه أرسل بعض الآنية النحاسية مما كسبه جيشه في معركة له مع العدو، إلى مدينته الأصلية الرستاق فاعتبروا ذلك خطيئة كبرى لأنه لم يشاور في سلوكه هذا.

فالمشاورة وأخذ موافقة المؤمنين، أو ذوي الرأي، كانت المقياس الذي يقاس به صلاح الإمام … فإذا ابتعد عن المشورة إنفضوا عنه وإتهموه … وربما عزلوه .. أو قتلوه.

فقد عرف عن الإمام مهنا بن سلطان بن سيف اليعربي أنه بويع بالإمامة عام (1131 ه 1711 م) مع أنه لم يكن من ذوي العلم، وقد برر العلماء الذين إنتخبوه فعلهم هذا بقولهم: " إنه كان يتعلم ويسأل ولم يقدم على أمر إلا بمشورة العلماء "

والمؤرخون الإباضيون لا يهملون هذه الناحية الخطيرة في تاريخ حياة أئمتهم بل يبررونها على أساس أنها الميزة الأولى التي تمنحهم حق الولاية على الناس.

قال السالمي المؤرخ الإباضي الأول ومن كبار رجال الدين الذين حق لهم الإشتراك في إنتخاب الإمام ومبايعته حين يصف الإمامة وقواعدها ما يلي(1):

" إنهم على السبيل الأول … لم يبدلوا ولم يغيروا … فبقوا متمسكين بما وجدوا عليه أسلافهم .. عاضين على وصية النبي صلى الله عليه وسلم فنصبوا على ذلك الأئمة واذهبوا في رضى الله الأنفس ....... إلى أن يقول: ولا نرى الولاية إلا لمن علمنا منه الوفاء بما وجب عليه من دين الله، ولا نرى للنفر من المسلمين يبايعوا إمامهم على الجهاد في سبيل الله وطاعة رسول الله والطاعة في المعروف حتى يهلكوا على ذلك أو يظهروا على عدوهم … إلى أن يقول:

(1) / تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، السالمي الجزء الأول (ص 64).

٤٤ / ١٨٤