عُمان: أرض البطولات ومقبرة الغزاة محمد خير حصرية

عمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة لمحمد حصرية والسمان - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٥

ونتولى مجاهدنا وقاعدنا … ويعرف قاعدنا لمجاهدنا الفضيلة التي خصه الله بها ونتولى من لم ندرك من المسلمين … ولم نره منهم، بشهادة المسلمين … ليس من رأينا - بحمد الله الغلو في ديننا ولا الغشم في أمرنا، ولا التعدي على رفاقنا ".

نستطيع من دراسة هذه الجمل المختصرة البسيطة الواضحة، أن نكتشف مجمل مبادئ الإمامة وأهدافها ورسالتها، وهي توضح لنا أن الإمامة ليست - لديهم - إلا مجموعة من المحاولات الجادة الدائبة لإرساء قواعد الحياة الديمقراطية على الشورى وإحترام رأي الشعب من جهة وعلى إقامة قواعد المجتمع العادل الذي طمحوا إليه دائما من الجهة الأخرى.

والعمانيون - بحكم بساطة هذه المبادئ ووضوح العدالة فيها، وسهولة التعبير عنها وشرحها .. وإيصالها لأكثر الطبقات الإجتماعية سذاجة وتأخرا .. ولإنطباقها على المثل العليا البديهية التي ينطوي عليها جوهر الإسلام والتي تستهوي الجماهير عادة. وبفضل التسامح مع الذين إتصفوا به حقا وصدقا. والذي لم يعرف عند غيرهم من الفرق المغالية. تمكنوا من تثبيت قواعد هذه المبادئ في عمان، فاستطاعت الإمامة التي هي ثمرة لها .. أن تصمد طويلا جدا جدا .. أمام العواصف الهوج التي تعرضت لها. وهكذا أتيح لهذه المؤسسة الديمقراطية الجذور، الثورية المفاهيم، بالنسبة لتلك العصور أن تبقى قائمة إلى يومنا هذا … على خلاف جميع المحاولات الأخرى .. فكانت كالشعلة المعرضة للريح … تخبو فترة من الزمن .. ثم تتقد من جديد … ولكنها لا تنطفئ أبدا.

ولم تعد مبادئ الإمامة هذه وقفا خاصا للإباضيين … بل أصبحت للمجتمع العماني بأسره .. أصبحت تمثل جانبا مهما من مطامح الشعب العربي في عمان، الذي يحلم دائما بعالم أفضل بل غدت طابعا أساسيا للمجتمع العربي الديمقراطي في عمان. فلما أضيف إلى هذا الوعي الإجتماعي القائم على المبادئ والمثل مطامح القومية العربية التي تهدف لتكوين عالم عربي شامل موحد متحرر … إكتمل جانبا القضية … وأصبح شعب عمان الباسل يحارب عن وعي ومعرفة بما يريد ويطمح إليه.

لقد ارتبطت المبادئ الثورية في إقامة الحكم بكل جميل وطيب في عمان خلال قرون طويلة. ولم تستطع فترات الفتن والفوضى أن تزيل بريق تلك المبادئ وجاذبيتها.

لذلك ظلت ثورات الشعب العماني، متصلة متلاحقة، من أجل تثبيت هذه المبادئ وحمايتها … ليس اليوم فحسب بل منذ اللحظة الأولى. وبهذه البساطة والحرص والدأب والمحافظة على القواعد العامة حافظت الإمامة على مكانتها في قلوب الناس، وعلى هيبتها في نفوس أعدائها فظلت أمل المظلوم وسند المضطهد في عمان.

ولا عبرة - طبعا - لفترات إنقطاع الإمامة فيها، فإنها كانت فترات متباعدة ومتقطعة … وكانت لا تحدث إلا نتيجة لإضطراب المجتمع وإنتشار الفتن، وضعف بعض الأئمة، ولكنها حالما تزول .. كان الناس يهرعون إلى إحياء تراثها والإلتفاف حولها وكأنها لم تنقطع قط، بنفس العزم والشجاعة والتصميم.

٤٥ / ١٨٤