ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١١١عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون:]. وقد ورد في سورة التوبة مزيد من الكلام عنهم في هذا الشأن، فعندما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الاستعداد لغزوة تبوك، استأذن عدد من المنافقين ضناً بأموالهم وأنفسهم أن يجاهدوا بها في سبيل الله. وقد حسبوا تخلفهم ذاك مغنماً يفرحون له، ويستبشرون به: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله) [التوبة: ??].
وقد كان بخلهم ذاك، وتخلفهم عن التضحية بأموالهم وأنفسهم سبباً لهلاكهم، وإحباط أعمالهم، وسقوطهم في الامتحان في أول الطريق .. والله سبحانه وتعالى غني كل الغنى عن أموالهم ومجهودهم، وإنما هيأ - سبحانه - لعباده فرص العمل والبذل والتضحية؛ ليثيبهم عنها أضعافاً مضاعفة، ودعاهم إلى الجهاد بالمال والنفس؛ ليدخر لهم عليه الثواب الجزيل الوفير، والرحمة الشاملة الواسعة فلما أعرض هؤلاء أعرض الله عنهم، وأحبط أعمالهم: {قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَن يُنَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّا
وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ} [التوبة: (53) - (54)].
وقد عقب السياق بعد هذا بما يُسلّي به الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم وأصحابه المؤمنين، حين ينظرون إلى هذه الأموال والإمكانيات البشرية تعطل عن أن توظف في سبيل إعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، فيحزنون ويتألمون، لكن الله سبحانه وتعالى يبين لهم أن الأموال والأولاد إن فارقها التقوى والعمل لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه تصبح مصدر مشقة وعذاب في الدارين، فهي وسيلة إلى رضوان الله وثوابه حين تجند في سبيل الله، وهي مصدر شقاء وتعب وعذاب حين ينصرف المرء إليها وحدها جاعلاً تحصيلها. والحفاظ عليها كل همه وسعيه، يقول سبحانه وتعالى: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوَلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ) [التوبة: (55)] ويقول في الآية الأخرى: {وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَاهُمْ وَأَوَلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن
6
(114)