ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١١٧أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوْةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِنَالَ لَوْلَا أَخَرْلَنَا
ج
إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَنْعُ الدُّنْيَا قَلِيلُ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: ??].
فهذه ملامح نفر من الناس لم يتمكن الإيمان من نفوسهم، فيبصروا الحقائق الكبيرة التي جاء الإسلام يركزها في نفوس الناس، وهي أن الله وحده سبحانه هو النافع الضار، وأنه وحده المؤثر في الحياة والإحياء، فهو وحده يجب أن يخشى، وأن خشية غيره معه فساد في التصور، وضعف في
الإيمان.
ولكن هؤلاء المنافقين لا يرتفعون إلى إدراك هذه الحقيقة، فهم يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ. .. ثم هم لا يفقهون من أسرار الحياة أظهرها وأوضحها، وهو أنها زائلة فانية، قليلة المتاع، محدودة الأمد، وأن الفوز والخير كل الخير لمن سعى للآخرة، واتخذ سبيله للفوز برضا الله سبحانه وتعالى .. إنهم يتعلقون بمتاع هذه الحياة القليل الضئيل، ولا يتطلعون إلى وراء ذلك، ولذلك فإن نفوسهم تنفر من القتال، وتتخاذل عنه؛ لظنها أنه سيكون السبب لقطع ذلك المتاع وإنهائه.
نعم
وتتكرر صورة هذا الصنف مرة أخرى في سورة «محمد» عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: (20)].
فهذا هو موقفهم من فرض القتال، موقف المتشبث بالحياة، المتعلق بأسبابها، موقف الشخص الذي لا يجد من نفسه أدنى تطلع للتضحية بنفسه أو تعريضها لخطر الموت، يحصر همه كله في هذه الحياة الدنيا ومتاعها، ولا يلتفت إلى ما وراء ذلك، ولذلك فقد كان أثر فرض القتال على هذا الصنف من الناس بالغ الشدة والثقل، وكان كل تجاوبهم معه هو هذه النظرة الهالعة البائسة المتشبثة بالأرض والتراب.
وهكذا فقد جاء فرض الجهاد مصدر تصفية وتمحيص يكشف عن معدن
???