ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية عمرو بن خليفة النامي

ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

أما الذين لا يصدقون بالله، ولا يقرون بتوحيده، وداخل قلوبهم الشك في حقيقة وحدانية الله، وفي ثوابه أهل طاعته وعقابه أهل معاصيه؛ فهم يعيشون تحت وطأة شكهم ذاك في ظلمة الحيرة، لا يعرفون حقاً من باطل، ولا يتأتى لهم الرأي الصحيح، فمن ثَمَّ فهم لا يبصرون ما في الجهاد من خير وفضل، فينتحلون الأسباب للتخلف عنه: لَا يَسْتَعْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمُ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَعْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ فِي رَيْبِهِم يترددون} [التوبة:

. [(44) - (45)

وقد ذكرت الآيات بعد هذا أن الله سبحانه وتعالى ثبط المنافقين، وكره انبعاثهم للقتال لحكمة أرادها من ذلك، فلا فائدة ترجى من خروجهم، بل إن قعودهم أفضل وأنفع، فهم لو خرجوا ما زادوا المسلمين إلا مشقة وبلبلة و خبالاً بسبب مسلكهم الخبيث الملتوي، وشغبهم المرهق المتصل على المسلمين حتى في أحرج الأوقات، ولحاولوا جهدهم إيقاع الفتنة بين

المسلمين بما درجوا عليه، وتعودوه من أساليب الشغب والأذى.

وقد كان ذلك شأن المنافقين مع نبي الله والمسلمين قبل ذلك في أكثر من موقف، وأكثر من مناسبة، وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انْعَانَهُمْ فَتَبَطَهُمْ وَقِيلَ أقْعُدُوا مَعَ الْقَعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَا وَضَعُوا خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِمِينَ لَقَدِ ابْتَغُوا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَرِهُونَ} [التوبة: (46) - (48)].

ولا ينتظر من قوم هذا شأنهم أن ينشطوا للجهاد، ويتهيؤوا له وقد عدموا الحافز الأساسي لذلك، وهو الإيمان بالله ورسوله وما جاء به، ولذلك فقد ظلت مقاييسهم كلها أرضية تقيس الأمور في الحرب والسلم بمقياس المنفعة القريبة القليلة، حتى أنهم ليعدون الراحة والدعة والخفض مغنماً يفرحون به ويتخلفون لأجله عن الجهاد في سبيل الله، ثم يرون ذلك من حسن التدبير؛ لأنه يحفظ لهم أموالهم وأنفسهم - بزعمهم - ويجنبهم ما يخشونه من ألوان

???