ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٤٩وذلك أن المنافقين أرادوا أن يخضعوا معنى الجهاد لإعلاء كلمة الله بمفهوم الغارة قصد المغنم السهل اليسير، فكانوا إذا سهل الأمر، وظهر لهم فيه إمكان النصر وقرب الموضع نشطوا له، وإن كان غير ذلك تخلفوا وقعدوا فجاء هذا الحكم ليحسم هذا الخلط في تصورهم لمعنى الجهاد الذي شرعه الله أولاً وقبل كل شيء؛ لإعلاء كلمة الله، وتمحيص أهل الإيمان، وليس للمغنم الدنيوي القريب.
وصحب هذا حرمانهم من استغفار الرسول لهم، وإيناسهم من ذلك، قال سبحانه وتعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ هُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لهم. . . [التوبة: (80)].
قام بالة
وأمر الله نبيه بعدم الصلاة على موتاهم، أو الوقوف على قبورهم، والدعاء لهم، وذلك في قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قبره. . . [التوبة: (84)].
وانتهى الأمر أخيراً إلى التهديد بالنفي، والقتل إن هم تمادوا على ضلالهم وفسادهم، وذلك ما نص عليه قوله سبحانه وتعالى: لَن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أَخِذُوا وَقُتِلُوا تَفْتِيلًا} [الأحزاب:
. [71 - 7.
على أن الأمر هنا لم يتجاوز التهديد، ولم يتخذ الرسول عليه السلام معهم مواقف تحمل طابع العنف والشدة وما جاء فى القرآن من قوله تعالى: يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَهِدِ الكَفَارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: (73)]. فجهاد المنافقين، كما يقول ابن القيم: إنما هو تبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام» (1). وقد لخص ابن القيم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في المنافقين في قوله: وأما سيرته في المنافقين فإنه أمِرَ أن يقبل منهم علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأُمِرَ أن يعرض عنهم،
(?) ابن القيم: زاد المعاد: (2): (40).
(7)