ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٥٢فجحد وأعلن بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه. وبه قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وغيرهمان خداي مالف ما يتعمال
قال الشافعي وأصحابه وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا
يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يجُبُّ ما قبله. وقال الطبري: جعل الله تعالى الأحكام بين عباده على الظاهر، وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه، فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر؛ لأنه حكم الظنون، ولو كان ذلك لأحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا، ووكل سرائرهم إلى الله. وقد كذب الله ظاهرهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: (1)]. قال ابن عطية: ينفصل المالكيون عما لزموه من هذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم فيها، وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص عليه بالنفاق، وبقي لكل واحد منهم أن يقول: لم أرد بها وما أنا إلا مؤمن، ولو عَيَّنَ أحداً لما جب كذبه شيئاً قلت هذا الانفصال فيه نظر، فإن النبي كان يعلمهم كثيراً منهم بأسمائهم وأعيانهم، بإعلام الله تعالى إياه، وكان حذيفة يعلم ذلك بإخبار النبي عليه السلام إياه حتى كان عمر رضي الله عنه يقول له: يا حذيفة هل أنا منهم؟ فيقول: لا.
أو
القول الرابع وهو أن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيه عليه السلام بكونه ثبتهم أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم، فلم يكن في تبقيتهم ضرر وليس كذلك اليوم؛ لأننا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا. انتهى كلام القرطبي.
وذلك الخلاف الذي رأيناه في توجيه موقف الرسول عليه السلام من المنافقين، وتفسير عدم قتله لهم، انعكس كذلك في موقف الأمة في فهمها لظاهرة النفاق، وتحديد إطارها ومدار هذا الخلاف على ثلاثة أقوال (?):
الأول: وهو قول جُل الأمة: إن المنافقين نافقوا من جهة الاعتقاد؛ لأنهم
(?) الوارجلاني: الدليل والبرهان: مخطوطة المتحف البريطاني: ((49)) وجه).
(157)