ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٥٥فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ وَلَا نَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: (89)] فصح أنهم قبل التولي لم يصدر منهم فعل يكونون به منافقين إلا ترك
الهجرة. فإن وقع التولي وهو الارتداد كان لهم حكم آخر وهو القتل.
فمن أثبت النفاق في الأفعال لمخالفتها الأقوال، فهو أقرب إلى الحجة؛ لأنهم استدلوا بظاهر هذه الآية وقضوا بأن النفاق في الأفعال لما رأوا من ثبوتهم على المعاصي، إذا خلوا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَنكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمُ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ???] واستدل الآخرون بتكذيب الله إياهم: … قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُون: المنافقون: (1)] فهذه الآية مشتركة بين الفريقين؛ لأن الفريقين قد اتفقا على أن المنافقين يشهدون أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ننتصر لك في مغيبك ونشهد عند اليهود إنك لرسول الله فشهد الله أن محمداً رسوله وأنهم كذبوا. فاختلف الفريقان، فقال من شركهم: إنما وقع التكذيب على الشهادة ونحن نشهد لهم بالشهادة، وإنما وقع التكذيب ذماً لهم وتوبيخاً. ألا ترى أنه لو وقع التكذيب على قلوبهم لقال: والله يشهد أنهم كاذبون. فلما قال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: (1)] وقعت عليهم الشهادة بالكذب في شيء آخر لكسر إنّ واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لينْ وَاتَنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ} [التوبة: (75)] إلى قوله ه … بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: (77)] فلما أخبر عن الوعد باللسان وعاقب، وعقب بالنفاق في القلب، علمنا إنما سلبهم الإيمان الذي يكون في القلب، عقوبة لهم، ولن يستقيم الإيمان والنفاق في
قلب واحد.
و (قال) الآخرون: قد يصبح النفاق في القلب ويقاوم؛ لأن هذا الإيمان دخل في قلوبهم إلى المؤمنين وليس لمن أثبت لهم الشرك آية في القرآن أعظم من هذه والتي قبلها: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ [المنافقون: (1)] وباقي الآيات عليهم لا لهم. والذين قضوا بالضمير تعسفوا؛ لأنهم لا يتوصلون إلى
17.