ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢٠المسلمون في رجوعهم إلى هذا الأصل الذي حدده الله سبحانه وتعالى في قوله في هذه الآية المحكمة: تَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمي مِنكُمْ فَإِن لَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تأْوِيلًا) [النساء: (59)].
الصَّحَابَةُ
(?)
وعندما تتأكد النية في الرد إلى الله، أي إلى كتاب الله، وإلى الرسول، أي: إلى سنته، ثم يقع الخلاف والتنازع لسبب الخلاف على الرواية أو الخلاف في الفهم والاستنباط فذلك واسع في الدِّين. «فَأَهْلُ الإِيمَانِ قَدْ يَتَنَازَعُونَ فِي بَعْضِ الأَحْكامِ وَلا يَخْرُجُونَ بِذَلِكَ عَنِ الإِيمَانِ. وَقَدْ تَنَازَعَ في كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الأَحْكام وَهُمْ سَاداتُ المُؤمِنينَ، وَأَكْمَلُ الأُمَّةِ إيماناً» (?). وإن أهل الإيمان - كما يقول ابن القيم -: «لا يُخْرِجُهُمْ تَنازُعُهُمْ فِي بَعْضٍ مَسَائِلِ الأَحْكام عَنْ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ إِذا رَدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ كَمَا شرط اللهُ عَلَيْهِم ومعنى الرد إلى الله: الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله هو الرد إليه نفسه - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وإلى سنته بعد وفاته. فلما انتشر الإسلام واتسعت داره وتفرق الصحابة في الأمصار، ووقع في كل ناحية ناس منهم اختلفت الرواية تبعاً لاختلاف المصادر، وشهود بعض الصحابة ما غاب عنه البعض الآخر، وحمل بعضهم ما لم يحمله غيره. ومعروف أنه حتى وفاة عمر رضي الله عنه ظل سادات الصحابة مرتبطين بمدينة الرسول عليه السلام، لم يتفرقوا، ولم تتوزعهم الأمصار. فقد اتضح لهم حتى ذلك العهد غالب ما تدور عليه أحكام الإسلام وهم حاضرون في مدينة الرسول عليه السلام، حكم بها الخليفتان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وشهدت هذه الأحكام إجماع الرواية والرأي كليهما. ملنا ولا نعرف أن هذا الأمر ـ أعني: الاختلاف في الرواية ـ كان يمثل مشكلة
من
ذلك
ذات بال حتى يحتاط لها المسلمون آنذاك ولو بلغ بها الأمر شيئاً لظهرت بعض التدابير التي تحول دون استفحالها، كما حدث في شأن كتابة
(?) ابن القيم: أعلام الموقعين عن رب العالمين (491).
(?) المصدر السابق.
??