ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢١القرآن في المصاحف، واعتماد المصحف الجامع وحده، والتشدد في قبول الحديث عن الرسول و لا اله إلا بالشهود واليمين. . . بل نحن نجد أن مثل هذه التدبيرات في أمور الأحكام والفقه، لا تستأثر بتأييد علماء الإسلام حتى فترة
متأخرة.
فعندما أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على موطأ الإمام مالك وحده، منعه الإمام مالك من ذلك، وقال: يا أمير المؤمنين، لا تفعل فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وما عملوا به، ودانوا له من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم، وإن ردَّهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم (?).
ومن
6
.
هذا المنطلق اتسع العذر أمام المجتهد المخطئ في الأحكام خصوصاً، شريطة أن يكون قد استفرغ جهده، واتخذ الوسائل المطلوبة للاجتهاد. وكان الخلاف الواقع في أمور الأحكام والعبادات ناتجاً عن اختلاف الرواية في الغالب، فهنا يكون العذر في الاختلاف واضحاً؛ لأن المعتمد والمرجع هو ما بلغه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فربما مضى بعض الصحابة في حكم على أمر لم يبلغهم فيه حكم للرسول صلى الله عليه وسلم، فاجتهدوا فيه برأيهم وخَفِيَ عليهم عِلْمُه كما حكم فيه الرسول عليه السلام عند غيرهم من الصحابة .. فنشأ اختلاف الأحكام، وتعدُّد المذاهب من هذا السبيل وما جرَّ
إليه.
وقد تهيأ اليوم من وسائل العلم والاتصال ما يمكن المسلمين من تجاوز
6
تلك الحواجز القديمة كلها؛ فيمكن اليوم بنوع من الجهد المستقر المنظم. والعمل الدائب المتصل، تحديد كل ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم من كل الطرق والوجوه، وجمعه كله في صعيد واحد، فيتم رد كل الأقوال في الفقه الإسلامي إلى أصولها الصحيحة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك أسباب
(1) أمين الخولي: مالك بن أنس: (554)، وانظر المراجع هناك.
??