ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٤٠وللنبي صلى الله عليه وسلم، أعني مبرر الدفاع عن داره ودار قومه المدينة. بل هو يتساءل علناً ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس!» وقد تكرر منه ما يشبه هذا في غزوة تبوك (?)
أما الواقعة الثانية: فكانت حين حاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع حتى نزلوا على حكمه فقام عبد الله بن أبي ابن سلول - حين أمكن الله منهم ـ قال: يا محمد، أحْسِنُ في موالِيَّ، وكانوا حلفاء الخزرج. فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أحسن في موالي فأعرض عنه. فأدخل يده في جيب درع رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرسلني». وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللاً (?). ثم قال: ويحك أرسلني». قال: لا. والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمئة حاسر وثلاثمئة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة؟! إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم لك» ((3)).
وهذه الحادثة تظهر مدى تعلقه بأعداء الإسلام من اليهود، وموادته لهم. فهو يرى في القضاء عليهم عملية تقليم الأظافره، وتحطيم لنفوذه، فهم أنصاره ومواليه يحمونه من الأحمر والأسود - على حد قوله - وهو لم يقنع بأن يربط مصيره بمصير الرسول والإسلام والمسلمين، ولم تكن لديه الثقة في انتصارهم وغلبتهم، فهو لذلك يحذر الدوائر، ويحتاط لها، ويذهب في ذلك إلى حد التدخل لحماية أعداء الله ورسوله من اليهود.
وقد أسهبنا في إيراد هذه الوقائع والأقوال مما صدر عن ابن أبي أو تحرك به، وقام عليه كشخصية أساسية كان مدار حركة المنافقين ورأسهم الذي يلوذون به، ويأتمرون بأمره؛ لتتضح لنا الدوافع الحقيقية لدوره الذي لعبه في حياته التي مضى فيها إلى آخر لحظة منافقاً عاتى النفاق، سادر الضلال. ونستطيع أن نرسم لمحة عامة لاتجاه مواقفه في الآتي:
(?) المصدر السابق (4) / (946).
(?) ظُلَلاً: أي سحابات من غضب. (س). (?) السيرة الحلبية: (2) / (477) - (478).
(41)