ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٤٣وقد كان هذا النصر الذي حققه الله لرسوله وللمؤمنين في وقعة بدر منطلقاً جديداً في تاريخ الدعوة الإسلامية، دعم وجودها، وأرسى مكانتها، وجعل أعداءها يحسبون لها حساباً جديداً. . . فهناك من استكبر وأظهر الكيد والعداء كما كان من شأن يهود بني قينقاع، وهناك آخرون ممن استشعر قوة الإسلام، وداخلتهم هيبة المسلمين، فتقبلوا ذلك على ضغن ونفاق، ومنذ ذلك الحين بدأت مسيرة النفاق في منطلقها الخبيث، حتى أظهر الله دينه وأعلى كلمته وأعزّ جنده.
.
وقد ألمحنا فيما سبق أنه من حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم؛ صار الناس ثلاثة أصناف: إما مؤمن، وإما كافر مظهر لكفره، وإما منافق. وقد قال أحمد بن حنبل وغيره لم يكن من المهاجرين منافق وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار، فإن مكة كانت الكفار مسئولين عليها، فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن، ليس هناك داع يدعو إلى النفاق والمدينة من بها من أهل الشوكة ((1))، فصار للمؤمنين بها عز ومنعة بالأنصار، فمن لم يظهر الإيمان آذوه، فاحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان مع أن قلوبهم لم تؤمن
(?)
ولكنهم كلما وجدوا فرصة لإظهار ما يعتمل في صدورهم من الضغن والفساد أظهروه وتنفسوا به ولم يبدر من ذلك ما هو ذو قيمة حتى حاصر الرسول صلى الله عليه وسلم يهود بني قينقاع فإنه لما كانت وقعة بدر أظهروا البغي والحسد، ونبذوا العهد الذي كان رسول الله وعاهدهم هم وبني قريظة ألا يحاربوه، وأن لا يظاهروا عليه عدوه.
وقد دعاهم الرسول إلى الإسلام فأعرضوا عنه، وتنمروا له، وكان مما قالوه يا محمد، إنك تُرَى أنا قومك؟! ولا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب فأصبتَ لهم فرصةً، إنا والله لو حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس» (?) فنبذ إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وآذنهم بالحرب، فتحصنوا في حصونهم،
لنا
(?) كذا في الأصل، ويبد أن فيه سقطاً، فليتأمل. (س). (?) ابن تيمية الإيمان ???.
تلقند
(?) السيرة الحلبية: (4772) - (478)، ابن هشام السيرة النبوية: (562) / (2) - (563))
(44)