ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٥٠ألا تعجبون من محمد؟! يمنّيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وإنما أنتم تحفرون الخندق من الفَرَقِ (الخوف) لا تستطيعون أن تبرزوا» (?)
ولما نقض يهود بني قريظة عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، اشتد الأمر على المسلمين، ونجم النفاق من المنافقين، حتى قال قائلهم: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً. . (?)
وتتابع المنافقون على التسلل والانسحاب من الخندق إلى بيوتهم، وجعلوا يستأذنون ويقولون: إن بيوتنا عورة من العدو؛ لأنها خارج المدينة، وحيطانها قصيرة يخشى عليها السرقة، فأذن لنا أن نرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا. .. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأذن لهم، حتى إنه لم يبق معه عليه السلام ليلة منصرف الأحزاب ورجوعهم عن المدينة إلا ثلاثمئة. ..
(?)
وقد أصبح موقف التخلف عن نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم الصدق في الجهاد، علامة من علامات النفاق الظاهرة تتكرر كلما عرضت غزوة أو سرية. . . إلا أنهم تحولوا بعد هذه المرحلة إلى أسلوب جديد، قصد فيه أصحابه إلى القيام بدور حاسم ضد الجماعة الإسلامية، ولكن جاء ذلك بعد فوات الأوان، وبعد أن زال عن المنافقين كل مبرر لتحقيق مثل تلك
الخطوة.
حدث ذلك في غزوة بني المصطلق في شعبان سنة ((6)) للهجرة ((4))، وخرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة ناس كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزوة قط مثلها - منهم عبد الله بن أبي ابن سلول وزيد بن اللُّصَيْتِ، ليست
(?) السيرة الحلبية: (2) - (635)
(?) المصدر السابق: (2) - (640)، ابن هشام السيرة النبوية (3) - (706).
(?) المصدر السابق: (3) - (707) السيرة النبوية: (2) - (651).
((4)) ابن هشام: السيرة النبوية (3) - (757) وهو الصواب، وعند غيره أنها سنة خمس قبل
قال الأحزاب.
??