ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٩٢لا يقعوا في سخطهم، فيمدون لهم يداً بينما تتلمس الأخرى رضا أعدائهم، وهم في كل ذلك لا يدركون أن التعامل في هذه الحياة إنما هو مع الله رب العالمين، عالم السر والنجوى، وعلام الغيوب.
والذي قاد المنافقين إلى التخاذل والفرار في مواقف الجهاد والتضحية هو سوء ظنهم بالله تعالى، وقياسهم الأمور بمقاييس البشر، وفي مجال التصورات الجاهلية التي لا تؤمن بالله، ولا تحسب حساباً لنصرته وقدرته. وتأمل هذه الآية الكريمة التالية تصور حال طائفة من المنافقين في غَزْوَة «أُحدِ» حين ذهبت الظنون بهم كل مذهب، وأوقعتهم تصوراتهم الغائمة المضطربة في حالة قاسية من الهم والارتباك، حرمتهم نعمة أَمَنَةِ النُّعاس التي أنزلها الله على المؤمنين من عباده بعد ما أصابهم من الغم، فعلى حين ينعم المؤمنون بتلك النعمة، تعيش نفوس أهل النفاق في حالة بائسة من الحيرة، والقلق، والغم المتصل.
وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءُ) [آل عمران: (154)].
وهم في سورة الفتح جمعتهم سواء هم والمشركين في سياق واحد، في إطار من
هذا الظن السيء يلحقون بأعداء الله من المشركين، حتى إن آية
الوعيد الشديد:
وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الظَّانِينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّةٌ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [الفتح: (6)]. وقد كان هذا الظن فيما يبدو من الأوصاف الغالبة عليهم، وتكرر ذكره عنهم في هذه السورة موضحاً عدم ثقتهم في وعد الله ونصره، واطمئنانهم إلى تصورهم الخاطئ، وظنهم السيئ:
بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيْنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمَا بُورًا} [الفتح: (12)].
(94)