ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٩٤وتذكر كتب التفسير أن الآية نزلت في حق رجل يهودي ورجل من المنافقين اختصما، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، وأبى اليهودي إلا رسول الله، فلما حكم بينهما وقضى لليهودي أبى المنافق من قبول الحكم والتسليم له ((1)). وهو موقف يتعارض
الله
بلا شك مع حقيقة الإيمان ومقتضياته، فلا يعقل أن يدع المسلم حكم وحكم رسوله إلى أحكام أخرى، وأن يؤثر أحكام الطواغيت والكهان ومن في وصفهم على حكم الله ورسوله، ولن يفعل ذلك إلا منافق ظاهر النفاق مدخول العقيدة، وقد عقب السياق بعد ذلك بما حَسَمَ هذا التردد، وحدد
حقيقة الإيمان التي لن تكون في غير التسليم التام لحكم الله ورسوله:
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي
أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسليمًا [النساء: (65)].
وقد ذكر مجاهد وغيره من رواة التفسير أن المراد بهذه الآية من تقدم ذكره ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت من المنافقين، وأنها فيهم نزلت، وهذا اختيار الإمام الطبري أيضا ((2)).
فمقياس الإيمان الذي يبرأ صاحبه من النفاق كما تصرح هذه الآية بوضوح، هو الرضا والتسليم بحكم الله سبحانه وبقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو معنى أكد عليه القرآن في غير ما موضع:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: (36)]. فمقتضى الإيمان والتصديق بنبوة الرسول عليه السلام يعني التسليم لحكمه، واتباع أمره وطاعته فيما يأمر به، وإلا بطلت حكمة التصديق والاتباع، وأصبحت فارغة المعنى:
(?) القرطبي: الأحكام: (5): (263) - (264)، الواحدي: أسباب النزول: (153) - (157)، ابن كثير: تفسير: ?: ???
(?) القرطبي: المصدر السابق: (5): (266) - (267).
عليا لقنا
47