الدرر المنثورة في شرح المقصورة (تحقيق) منصور بن ناصر بن محمد الفارسي

الدرر المنثورة في شرح المقصورة

الجزء ١ · صفحة ٣١٦

المفسرون قوله عزّ وجلّ: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من

قريب فأولئك يتوب الله

، عليهم) أن "

عسى

هنا للحتم ومعناه: أنه يتوب عليهم،

والدليل على ذلك قوله: " إنما التوبة على الله " إلى آخره، وليس هنا "على" للوجوب

كما يقتضي الظاهر إذ لا وجوب عليه، بل هو منه محض فضل أوجبه نفسه، وما

أوجب على نفسه فلا يخلفه، إنه لا يخلف الميعاد، إذ لا حجة لمخلوق على

شيء

أبدا

الله

في

، وما ثبت من الله على سبيل الإبلاغ إلى العباد زيادة فضل وامتنان عليهم وذلك من شأن القاهر المتولي، ولو عذب عباده من غير إبلاغ لكان في حكمه عدلا، ولما جاز أن يقال: جار 2 في ذلك، ولو عفا عنهم جميعًا لكان عفوه أوسع وأعظم من ذنوب العباد، ولكن شاء أن يعذب فريقا بذنوبهم، وشاء أن يغفر لآخرين من عباده، وذلك كله عدل في حكمه وفضل في منه، وهذا يتسع فيه القول. نسأله أن يغفر لنا ذنوبنا وذنوب إخواننا، وأن يمن علينا بالسعادة في الآخرة. وقدّر أي: قضى، ويستعمل القدر بمعنى: القضاء في باب التغاير، وإلا فالقدر علمه عزّ وجل في الأزل بخلقه وخلقه للأشياء إجمالا والتقدير والمقادير: خلقه للأشياء شيئا فشيئا. والقضاء: حتم وقوع ما أراد كالحتم بوقوع الموت للخلق، والحتم بوقوع الإحياء لمن أراد إحياءه، والحتم بوقوع الرزق وهكذا، ووقوع ذلك في نفس الواقع هو القدر، ووقوعه في ساعة ويوم وعام مثلا على فلان هو التقدير والمقادير، والقضاء والقدر من معاني الجملة يجب الإيمان بهما أنهما حقٌّ من الله. و" ما " اسم موصول بمعنى الذي. ويهولكم من هاله الأمر يهوله إذا عظم عليه وأفزعه، والهول: الداهية

1 - هذا بناء على أن الشارح قد ذكر نص الآية هكذا: إنما التوبة على الله للذين يعملون السيئات بجهالة ثم يتوبون من قريب أولئك عسى الله أن يتوب عليهم)، وواضح أن في الآية خلط وصوابها ما أثبته من سورة النساء / 17.

2 - في الأصل: جاز بالزأي. والصواب ما ذكرته.

316