الجامع لابن بركة
الجزء ١ · صفحة ٢٦26
كتاب «الجامع»
23 الحكمة من وجود المتشابه:
أما المعنى في متشابه الكتاب فإن الله جل ذكره خلق عباده ليمتحنهم فيثيبهم كما قال جل وتعالى: {إِنَّهُ يَبْدَوُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ بِالْقِسْطِ) [يونس: 4، فعرضهم بخلقه إياهم على المنازل وأشرفها وهو الثواب الذي لا خلاف بين أهل العقول في أنه أشرف من التفضل. والله جل وتعالى جواد كريم لا يقتصر لعباده على ما غيره أعلا وأشرف) إذا كان ذلك حكمة وصوابًا. ولو كان القرآن كله محكما لا يحتمل التأويل ولا يمكن الاختلاف فيه لسقطت المحنة فيه وتبلدت العقول وبطل التفاضل والاجتهاد في السبق إلى الفضل واستوت منازل العباد والله يتعالى أن يفعل ما هذا سبيله، بل الواجب في حكمته ورحمته ما صنع وقدر فيه، إذ جعل بعضه محكما ليكون أصلا يرجع إليه وبعضه متشابها يحتاج فيه إلى الاستخراج والاستنباط ورده إلى الحكم وإعمال العقول والفكر. ليستحق بذلك الثواب الذي هو العوض (ج 56/ 1، 57)
24 الرد على من يدعي الزيادة والنقصان في القرآن:
النبي
أما الذي يدل على إبطال قول من يدعي فيه الزيادة والنقصان وأن حتى جمعه أصحابه بعده فهو كتاب الله الذي لا يحتاج
لم يجهله
معه إلى غيره، قال جل ذكره: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَبُ عَزِيزُ لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41 - 42]، وقال الله عل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ [الحجر: 9] وقال تبارك وتعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146) ونحو هذا في القرآن كثير. وفي بعض هذا ما يغني عن الرد على من ذكرنا لغيره ويبطل القراءة الفاحشة والروايات الكاذبة على أصحابه وما يروون عن المصحف المنسوب إلى عبد الله بن مسعود وما جعله الله وغيره من المصاحف التي لم تظهر في محفل قط. (ج 58/ 1)