الجامع لابن بركة
الجزء ١ · صفحة ٨كتاب «الجامع»
وقد تميز الحوار العلمي الرصين بين هاتين المدرستين بأمرين: الأمر الأول: بحث عميق في الفقه السياسي الإسلامي في هذه المرحلة المبكرة من تاريخ الإسلام تناول شكل الحكم والعلاقة بين السلطات، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، والآثار الأمنية والاقتصادية والاجتماعية من جراء ذلك وكما يقول العلامة أحمد السيابي: قد تكونت ثروة فقهية هائلة ورصيد جيد في هذا الموضوع، الأمر الذي جعل من المذهب الإباضي من أغنى المذاهب الإسلامية في هذا المجال بشهادة جميع المطلعين على المذهب».
الأمر الثاني: اتصال يتسم بالاحترام المتبادل الآراء المذاهب الإسلامية الأخرى ظهر في مؤلفات هذه المرحلة، وعلى وجه الخصوص في كتابات أبي سعيد الكدمي الذي علق على كتابات ابن المنذر وفي مقدمتها كتاب الإشراف»، وفي كتابات ابن بركة وخاصة في كتابه «الجامع»، الأمر الذي ساعد على نمو الفقه المقارن واكتمال مناهجه ويعجب الدارس لهذه القدرة الفائقة على النقد والتحليل والتعليل التي تميزت بها المصنفات العمانية في هذه المرحلة، ودقة المصطلحات التي اعتمدوها في الدرس الفقهي، وأصبح «اجتهاد «الرأي واحدًا من أهم المصطلحات التي وردت على ألسنة المصنفين الإباضية وفي مقدمتهم «ابن بركة».
[2]
لم يكن ظهور التنوع المذهبي في الفقه الإباضي، وظهور مدرستين أساسيتين حدثًا عابرًا، وقد يقال إن الجغرافيا الإقليمية هي التي فصلت بين المدرستين، والرأي عندي أنها جغرافيا تسير وراء التاريخ، وتاريخ تصنعه الأحداث السياسية، وبداية الخلاف بين المدرسة النزوانية والرستاقية تعود إلى موقف سياسي حول الإمام الصلت بن مالك بين المؤيدين والمعارضين، وكانت قضية الولاية والبراءة محل جدل كبير بين المدرستين، واحتلت الجزء