الجامع لابن بركة
الجزء ١ · صفحة ٩ابن بركة وكتابه «الجامع»
الأكبر من كتاب «الاستقامة» لعميد المدرسة النزوانية «أبي سعيد الكدمي»، وقد وصفه العلّامة السالمي في اللمعة المرضية بقوله: «وكتاب الاستقامة الأمة ومنقذها من الظلمة أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي له ألفه
لمفتي في الرد على من خالف سيرة السلف في الحكم على بعض الخارجين في زمان الإمام الصلت بن مالك، وأوسع فيه القول حتى خرج عن المقصود، وصار كتابًا مستقلاً في أصول الدين، تحتار فيه الأفكار، وتقتصر عن درك كنهه الأنظار، والشيخ السالمي من أنصار المدرسة النزوانية، إلا أن منهجيته في التأريخ الفكري كانت تتسم بالإنصاف فلم يتوان عن التأريخ لابن بركة وردود المدرسة الرستاقية من خلال كتاب «الموازنة» لابن بركة.
وهكذا جاء التنوع المذهبي - من خلال مدرستي الفقه العُماني: النزوانية والرستاقية - مصدرًا لثراء علمي تمثل في تبلور اتجاهات الفقه المقارن بنوعيه: علم الخلاف النازل والذي محوره جدل الأفكار والموازنة بين الآراء الفقهية في المذهب الواحد، وعلم الخلاف العالي ومحوره الانتصار للمذاهب والترجيح القائم على قوة الدليل بين مذهب وآخر من منظومة المذاهب الفقهية الكثيرة التي شهدها القرن الرابع الهجري، ولابن بركة شيخ المدرسة الرستاقية نزوع خاص لهذا اللون من الدراسات المقارنة.
[3]
لم يكن ابن بركة مجهولا في عصره ولا في العصور التالية إلى يوم الناس هذا، إلا أن تاريخ مولده يعسر، تحديده، ويستعصي على الدارس التأكيد على تاريخ وفاته وحسبنا القول إن مولده كان في العقد الأخير من القرن الثالث الهجري، وأن وفاته كانت في أوائل العقد السابع من القرن الرابع، والحياة العقلية للإنسان - طولا وعرضا - لا تُحسب بسنوات العمر، وإنما بأثره وآثاره، ولابن بركة في هذا المجال أوفى نصيب.