التجربة السياسية عند الإباضية فرحات بن علي الجعبيري

التجربة السياسية عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٣٩

152

التجربة السياسية عند الإباضية

انحطاط الدولة الرستمية وسقوطها

بقي أمر العقود الباقية من إمامة الرستميين، فإنّها قد اختلطت فيها الأحوال، وتشابكت الروايات وكثرت الفتن فترى الناس يفضلون الوريث على الدخيل وإن كان ضعيفا سوى إمامة أبي اليقظان" التي يشبهها

(*) محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم (أبو اليقظان) (حكم: 261- 874/281-894): خامس الأيمة الرستميين وواسطة العقد عددا، ولد بتاهرت ونشأ بها. تلقى العلم عن أبيه أفلح، وجده عبد الوهاب وكان كما وصفه ابن الصغير – أحد معاصريه -: مربوع القامة أبيض الرأس واللحية زاهدا ورعا ناسكا». وكانت له حلقات علم بتاهرت الرستمية، فتخرج على يده الكثير من المشايخ الأعلام، وكان من المكثرين في التأليف، له «رسالة في خلق القرآن»، وكتب في الردّ على المخالفين، وألف في الاستطاعة وحدها أربعين كتابا، وله رسائل عديدة، و جوابات مختلفة، منها ما وصلنا، وأغلبها عبثت به يد الأيام. تولّى الإمامة سنة 874/261، وهو الراجح، وبعض قال 855/241، ليجعل من حكمه أربعين سنة، لأنّ ابن الصغير أكد وفاته سنة 894/281. وقد ابتلي بالإمامة في ظروف صعبة جدا، إذ ترك له أخوه أبو بكر الأمة متناحرة، بعد أن عصفت بها فتنة ابن عرفة، لذلك لم تستقر له الإمامة إلا سبع سنين قضاها في تنظيم وتصفية صفوف المجتمع من آثار الفتنة فإليه يرجع الفضل في القضاء عليها وبث الأمن والسلم والطمأنينة. لم يدخل أبو اليقظان تاهرت منتصرا ومعلنا نهاية فتنة ابن عرفة ورافعا شعار «عفا الله عما سلف» إلا في سنة 281/268، حيث عقد صلحا. القبائل كلها، وشمر عن ساعد الجد، مع ليواصل مسيرة أبيه أفلح وجديه عبد الوهاب وعبد الرحمان وينقذ البلاد من الفوضى، ويعيد لها هناءها وازدهارها. وتذكر المصادر أنه سجن ببغداد مع أخ لخليفة عباسي قبل توليه الحكم سنة 874/261، قبض عليه عيون بني العباس في موسم الحج أثناء أدائه للفريضة، وقضى في سجن بغداد سنين عددا، وتعلّم خلالها الكثير من فنون السياسة والكياسة، خاصة وأنه كان مع أمير استدعي بعد خروجه من السجن لتولي الخلافة – لعله المعتمد العباسي -، الأمر الذي جعل الأمير يطلق سراح أبي اليقظان، وسهل له العودة إلى وطنه بالمغرب، ليتولى هو الآخر الإمامة في دولته. وكانت أيام أبي اليقظان لا تشبه إلا بأيام جده عبد الرحمان بن رسم في الحكم والعلم والعدل والورع، واتفاق الكلمة بعد اختلافها. وعرفت الدولة الرستمية في عهده انفتاحا كبيرا على العلم والعلماء، حيث اهتم فقهاء المذاهب المختلفة بالمناظرات الفقهية والكلامية، وكثرت المجالس والحلقات. توفي=