التجربة السياسية عند الإباضية فرحات بن علي الجعبيري

التجربة السياسية عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٥١

??

التجربة السياسية عند الإباضية

ولم يكتف الواحد منهم بالظلم بل جعلوا الحكم وراثيا لا يتجاوزهم إلى غيرهم من المسلمين كأنّ الأمر حكر على بني أمية أو على بني مروان: "ولعبوا بدين الله لعبا واتخذوا عباد الله عبيدا ويورث ذلك الأكبر منهم الأصغر ......

فأبو حمزة لا يرفض حكم بني أمية لهوى في نفس، أو رغبة في ملك مماثل، أو أسوأ، وإنّما يرفض هذا الحكم لأنه حكم مغتصب من مستحقيه من المهاجرين والأنصار بالمكر والخديعة في البداية – إمرة ضائعة – ثم بالحديد والنار في ما بعد، وكتب التاريخ تذكر كيف أخذ معاوية البيعة ليزيد من خيرة الصحابة بسلطان السيف ولم يسلك فيه هؤلاء مسلكا من مسالك الخلفاء الراشدين المتمثلة في ولاية العهد لغير الوارث وفي مجلس الشورى أو ترك الأمر للمسلمين.

ويا ليت هذا الحكم المغتصب وجه الوجهة الشرعية، فأبو حمزة يلح على أنّها (خلافة) لم تحمل من حقيقة الخلافة إلا الاسم لأنّ الخلافة تستند إلى كتاب الله وسنة رسوله، وبذلك تتميز عن السياسة الطبيعية والسياسة العقلية. بينما (خلافة) بني أمية تقوم على الاستخفاف بكتاب الله، ما دام أحد ممثليها ينتقم من المصحف نفسه لأنه ذكره بخيبة كل جبار عنيد، وتقوم على اللعب بدين الله، وعلى الحكم بغير ما أنزل الله، وهم يعلمون أن الله يقول: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَتيك هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة

44] هُمُ الظَّلِمُونَ} [المائدة (45) هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة 47].

وبما أنهم نبذوا القرآن الكريم وراء ظهورهم فإنهم كانوا يحكمون بالهوى، ويبطشون بطش الجبابرة، فلا مقياس إلا مصلحة العرش وأصحاب العرش، ولا بقاء إلا لهؤلاء مهما كان الثّمن، وإن أدى ذلك إلى