التجربة السياسية عند الإباضية فرحات بن علي الجعبيري

التجربة السياسية عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٥٦

التجربة السياسية عند الإباضية

63

أهل المدينة إن أولكم خير أوّل وآخركم شرّ آخر. . . " "عمي القلوب صم الآذان، اتبعتم الهوى فأرداكم عن الهدى وأسهاكم، فلا مواعظ القرآن تزجركم فتزدجروا، ولا تعظكم فتعتبروا ولا توقظكم فتسيتقظوا، لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم … لو شقت عنهم قبورهم فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم ".

ولم يقف أمر هذه الغفلة عند العامة بل نفذ إلى الفقهاء والقراء، وهنا يلتفت أبو حمزة إلى هؤلاء ويحمّلهم مسؤولية ما عليه الأمة من غي وضلال، ذلك لأنّهم واكبوا السلطان واستطابوا عطاءه، وزينوا له أعماله: يا أهل المدينة … إنّكم أطعتم قراءكم وفقهاءكم فاختانوكم عن كتاب غير ذي عوج بتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، فأصبحتم عن الحق ناكبين، وأمواتا غير أحياء وما تشعرون .. ولعل أبا حمزة يشير إلى ما شاع في الأوساط آنذاك من ظاهرتي الجبر والإرجاء ومنطلقهما السياسة الأموية الهادفة إلى تمييع النّاس وإخضاعهم لسلطانهم.

،

ومن ذلك أن معاوية نفسه يوهم في خطبه أنه لم يغتصب الحكم، وأنه خازن من خزان الله فيقول مرّة: لو لم يرني ربّي أهلا لهذا الأمر ما تركني وإيّاه ولو كره الله تعالى ما نحن فيه لغيره. ويقول أخرى: "إنّما أنا خازن من خزّان الله أعطي من أعطاه وأمنع من منعه".

وبما أن معاوية ومن ورثّهم الحكم على هذا المستوى، لم يبق على الأمة إلا الطاعة، وإن هي انحرفت في سلوكها فلا ضرر عليها لأنه لا تضر

مع الإيمان معصية.