التجربة السياسية عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٦٣التجربة السياسية عند الإباضية
لقد عيره أهل الحجاز بحداثة أصحابه، فقلب الذم إلى مدح، وشاهده في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم إن أصحابه شباب ولكنّهم ليسوا كالشباب، إذ يعلم النّاس أن الشباب شعبة من الجنون، إنّهم شباب في أجسامهم وأعمارهم لكن عقولهم قد اكتهلت واكتملت فهي في منتهى الرصانة لا يعرف التهور إليها سبيلا.
وقد كان لهذا الاكتهال أحسن الأثر في السلوك، فإن كان أمثالهم من الشباب يرتع ويمرح وينحرف فإنّهم أعرضوا عن الباطل إعراضا، وولوا وجوههم شطر الخير والصلاح فعميت أبصارهم عن كل منكر، أمّا أرجلهم فلم تعرف إلى الحرام طريقا.
ولم تكن هذه الاستقامة ناتجة عن الاكتهال فحسب، لأنه كم من کهل انحرف وكم من شيخ، تصابى، وإنّما هو التعايش المتواصل مع القرآن الكريم، لا يقرأونه فلا يتجاوز حناجرهم كما يدعي خصومهم الغارقون في القراءة التي لا تتجاوز الشفتين، وإنّما هم بكاؤون عند قراءته على مسلك أبي بكر، يتضاعف هذا البكاء فيتحول إلى شهيق بين آيات الوعد وآيات الوعيد.
وماذا تظن أن يكون هذا الذي يصل كلال الليل بكلال النهار، هذا الفارس في النهار الراهب في الليل - وقد علمنا أن مولى عروة يقول عنه إنّه لم يقدم له طعاما في النّهار أبدا ولم يفرش له فراشا في الليل أبدا – هذا الذي أكلت الأرض جبهته وركبتيه من كثرة السجود الله. إنّه المؤمن الحق الذي يلتزم بحدود الله فلا يتعداها بل لا يفكر حتى في الاقتراب منها. هي حالهم أيّام السّلم تقوى وصلاح، وأخوة ووئام، حتى أنهم لا يعرفون إلى ميدان الحرب سبيلا، ولكن أبا حمزة يفاجئك وهو
تلك
تخال