مزاب بلد كفاح
الجزء ١ · صفحة ٢٥الذي بدأ ينمو شيئا فشيئا، وتنمو معه المشاكل والحاجيات كذلك؟ للاجابة عن هذا السؤال نقول: إن السلطة في هذه الديار كانت ترجع الى العزابة، رغم كون هيئتهم خالية من السلطة المادية، والقوة الزاجرة، وان كان لدولة من دول شمال القطر، شبه اتصال ودى، فان مباشرة شؤونهم والاشراف عليها يرجع دائما الى هيئة العزابة، وقد تساعدها على ذلك الهيئة المدنية وهو ما يشبه في نظامنا الحاضر الهيئة البلدية التي تتكون من ممثلى العشائر في المدينة، أو القرية، ولكن الأمر دائما يرجع أخيرا الى العزابة، وخاصة الأمور التي لها
مساس بالشريعة.
وقد حكى لنا التاريخ عن أشياء تمثل مظهر السلطة في المدينة، كان الاشراف عليها للعزابة؛ فهم الذين يتولون الفصل بين الخصوم (1) - والترافع يقع في صحن المسجد بين صلاتي الظهر والعصر - وهم الذين يتولون الحراسة في المدينة، تساعدهم في
-
ذلك منظمة اروان - هئة الطلبة.
وهم الذين يسهرون على المحافظة على المصالح العامة، وتنظيمها، كالأسواق، والمسالخ، وسواقي المياه، والسدود.
استمر القضاء في يد العزابة الى أوائل القرن الحالي، ثم استعيضوا بالمحاكم الاسلامية التى أنشأتها السلطة الاستعمارية.
ولم تكن الحياة فى مزاب فى العهود الماضية تسير دائما على هذه الخطة المحمودة، فقد تمر فترات، يضعف فيها نفوذ السلطة الروحية، التي للعزابة، بسبب ما؟ كتمرد رئيس قبيلة، أعجبته كثرة أتباعه، أو تعوز هيئة العزابة الشخصية والحنكة، أو تقع فتن بين المواطنين، فيتعقد المشكل، ويخرج عن نطاق العزابة، عند ذلك ينفلت الزمام من يد العزابة، وينتقل الى رؤساء القبائل ومقدميها، من المكاريس، أو أهل الفتوة، وكمثال لما ذكرناه، الاتفاق الذي أمضى مع الفرنسيين بالاغواط - وقد أشرنا اليه سابقا، فقد كانت الهيئات الدينية غائبة
عنه، تحرجا من امضاء معاهدة مع المشركين، وفعلا فقد أمضى هذا الاتفاق رغما عنهم وفرض عليهم من طرف الهيئات المدنية فرضا. ويذكر التاريخ أيضا أزمات فتن مرت على مزاب في الخمسين الأولى من القرن التاسع عشر عند ما اتسع العمران وكثرت معه مشاكل الحياة، الا أن لهذه الحالات، جولة خفيفة، ثم تعود المياه الى مجاريها، ويستقيم الأمر للعزابة من جديد.
مجلس عمى سعيد
لقد تغلبت العزابة على المشاكل التي تنشأ عن اتساع العمزان، وعن استقلال عزابة كل قرية بأمورها، وعن تمرد العامة أحيانا على
49
48