مزاب بلد كفاح: دراسة تاريخية اجتماعية تلقي أضواء على نشأة هذا البلد وحياة ساكنيه إبراهيم بن محمد طلاي

مزاب بلد كفاح

الجزء ١ · صفحة ٣٢

على

الأمطار لا تنزل الا مرة، أو مرتين فى السنة، وربما لا تنزل أصلا. واذا نزلت كانت عاصفة، خاطفة، غزيرة، لا تمر عليها ساعة، الا وقد انزلقت عن الجبال، لا تلوى على شيء، ولا يريثها شيء، فيغمر الأودية سيل جارف، سريع التيار، ينتهى الى رمال وادى انقوسا، فتبتلع كل شيء، وبعد أيام قلائل، لا ترى للماء أثرا. هذه الحالة اتجه الكثير منهم الى السعى المضني، وراء الأرض يستدر منها قوته، وقليل منهم يتجه الى شمال القطر، متاجرا أو عاملا، لفترة من الزمن، ويترك أهله، وأولاده وراءه، ثم يعود اليهم، بما جمع من ثمرة عمله، ان قدر له ولها السلامة، من قطاع الطرق. وكثيرا ما تحكى لنا الجدات ـ ونحن صغار ـ حكايات تترك الأفواه فاغرة، عن تفانى شخص، في إنشاء مزرعة ـ ان صح التعبير - أو جلب الماء الى نخيلات - كانت كل ما يملك من الدنيا - وقد رآها يلهبها العطش بعد أن غار الماء من بئره، أو عن وفاء زوج لزوجته وصغاره، انتظروه، وانتظروه فقراء، معوزين، ووفائهم له. ولا يغيب عنا أن نلاحظ أن ما نذكره هو ما كان في التاريخ الماضي، أما الآن فقد تغيرت الأوضاع كثيرا. توزيع مياه الأمطار

لعل أول ما اتجه اليه المزابيون بعد استقرارهم في الوادي، هو

6

توزيع هذه المياه التي تجود بها الطبيعة أحيانا، وخزنها، والاستفادة منها قبل أن تبتلعها الرمال. وتوزيعها يتطلب معرفة جيدة بالأراضى، وهندستها ومساحاتها، والزيادة، أو الاجحاف يثير غضب المالك للمزرعة، لأن هذا الماء هو كل شيء عنده. فلذا نجد في نهاية كل واحة، حيث ملتقى شعاب الأودية اليابسة، سواقي مبنية، تتلقى المياه، التي تسيل على مناكب الجبال، عند الأمطار، وتوزع بواسطتها،

منظر لتوزيع مياه وادي بوشن بغرداية - تم هذا التقسيم سنة 1707 م

63

62